jeudi 23 avril 2015

لا ثمار في بستان العاشقين



كتبت الناقدة رنا صباح خليل عن "بستان العاشقين " للكاتب فيصل عبد الحسن
في جريدة الزمان الغراء مقالاً بعنوان : لا ثمار في بستان العاشقين... شكرا للناقدة رنا ولجميع الأخوة في هيئة تحرير الزمان الغراء
قراءة بمجموعة القاص فيصل عبد الحسن
لا ثمار في بستان العاشقين سوى الهم – نصوص – رنا صباح خليل
يتعين علينا بدءاً تفكيك العنوان الرئيس (بستان العاشقين) كيما نتوصل إلى الفضاء الدلالي الذي تتحرك فيه قراءتنا للمجموعة القصصية الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة عام (2013).
يتكون العنوان من مفردتين (بستان) و (العاشقين).
فـ(بستان) يحيل إلى المكونات الثابتة والمفاهيم التي تم التوصل اليها من خلال المراقبة والمعايشة للنص ليتضح لنا ان البستان هو الحياة وال (العاشقين) هم الشخوص داخل النص رغم تفاوت أدوارهم ومستوياتهم فهم في النهاية عاشقين للحياة التي هي الحاضنة الأم حين تضعنا على مشارف انتهاء عذب لأي قصة ضمن متون النص، عذوبة رائعة مستلة اما من أقانيم المتعة الاشراقية حيث النهاية هانئة وسعيدة أو متعة شفيفة مضمخة بمسرح الأسى وأنفاس الحزن جاء بها حامل النص ومنجزه الذي استلها من لميم المعارف والاطلاعات وانتجها من تفاعل المفاهيم وامتزاج الصور في بوتقة الخيال. وللدخول إلى (بستان العاشقين) لابد من المرور بالاهداء في اول الصفحات اذ أن حومة تجسيد النص القصصي تبدأ منه فهو يعد قصة بحد ذاته حين يهدي القاص مجموعته إلى ابنه الذي لم يقل كلمة في حياته ولم يسمع او يتكلم الا انه يهب الحياة نكهة الابتسام فهو من ذوي الصم والبكم لكنه واهب السعادة للآخرين وموصيهم بها ومعلناً عنها من خلال عينيه واصابعه واشاراته ثم يذكر القاص قصيدة (بستان العاشقين) لجلال الدين الرومي وكما هو معروف يتراوح استعمال الشعر في القصة بين آلتي التضمين والصوغ الشعري ويتمظهر الصوغ الشعري في صيغتين: احدهما تتجلى في لجوء القاص إلى ادراج القصيدة المنظومة اوالمقطوعة الشعرية، خدمة لبناء النص، واختراق نسيج لغته السردية النثرية ومن هذا الصوغ الشعري نقرأ:
لاتذهب للبستان بدوني
منتشياً بالرقص تذهب
في البستان سأرى عينيك
وفي عينيك سأرى البستان
في قصة (طعام الأُسود) اول قصة في المجموعة استعمل فيها القاص البناء المتتابع للحدث فبطل القصة رجل يبحث عن عمل ويجده في حديقة للحيوانات مهمته يطعم الأُسود ويهتم بهم وكان يظن انه عمل بسيط يمكنه من قرءاة الكتب اثناء الفراغ في تلك الحديقة الا انه يصطدم بعكس ماكان يفكر ويكون الحدث الاول لقاءه بالمدير الذي ظن انه لن يقبله للعمل بناءً على نظرته الاولى له الا أن الأخير سلمه زمام الامور ووكله الاهتمام بالأسود كمساعد مُطعم الاسود وتكون مهمته تقطيع اللحوم وتقديمها مرتين في الصباح والمساء، بعد ذلك يفاجئنا السرد ضمن مشهد مليء بالخيبات والأسى إذ يجد ذلك الرجل ان اللحوم التي قطعها هي من حصة المدير واعوانه وليس للأسود سوى اردأ الاطعمة التي تتقزز منها النفوس فيعرب عن انكسار الاسود وزوال هيبتها رغم زئيرها المخيف، وهنا لم يغير من طبيعة بناء القصة المتتابع للحدث في الزمان، سلسلة الذكريات التي تعرض لها القاص وهو يتحدث عن فقره واحتياجه للاقتراض من الغير فضلاً عن الحياة النفسية له ولزوجته وهما يصارعان من اجل حياة كريمة .
وهذه الثيمة نجدها في قصة (مايحدث بعد الموت) ايضاً فالبطل يوظف نفسه في عمل لايناسبه ويؤدي به بالنهاية إلى الطرد الا ان العمل هذه المرة في بلاد غريبة في شركة نقل الموتى من بلد لبلد ولايتناسب معها الشخص الرومانسي المحب للحياة .
في قصة(بستان الذكريات) نجد التغريب يعمل عمله في خلق المصادفة واثارة الدهشة والمفاجأة لدى القارئ لأرباك قناعاته وخلخلة مسلماته ففي حديث مسبق في ليلة فائته عن الموت يحيلنا النص إلى لقاء اشبه بالحلم بين بائع للمشروبات الغازية في حديقة تدعى (حديقة العشاق) وفتاة من جيل مضى عليه ثلاثون عاماً بزيها القديم وتصرفاتها الغرائبية في انتظارها لحبيبها الذي تصفه في حال يماثلها من الغرابة فيجري الحديث بينها وبين بائع الكوكا كولا فيحكي لها عن فتاة قتلها ابن عمها، كانت تجلس في مكانها في لقاء مع حبيبها ومن حينها ابتعد العشاق عن الحديقة وهذه اشارة إلى أن تلك الفتاة هي الفتاة نفسها والتي يبدو انها جاءت من عالم آخر لتلتقي بحبيبها في مثل هذا اليوم من السنة ثم يحيلنا النص إلى تفاوت بين الحلم واليقظة إذ تتحدث بغرابة وتنتهي بأفعال غير معقولة عندما تتحول إلى هيكل عظمي ثم تختفي مثيرة الرعب في قلب البائع الذي لايجد منها سوى بركة من مشروب الكوكاكولا وبعض القناني الفارغة. في قصة (قص الشريط) يصف لنا القاص حالة من الحالات المريرة والمهدمة للمجتمع الإنساني حيث يكون هم الدولة الاساس تقليص إعداد الشعب باعتقالهم وتعذيبهم وإقصائهم عن الوجود المكرس لخدمة قائد الدولة حصراً وفي ذلك قتل للبراءة وانتهاك لمشروعية الحياة لكل إنسان، يوفق القاص بوصف تلك الأجواء حين يقتحم أسماءها ومهماتها الامنية او غير الأمنية بالنسبة للشعب فيكون دار الإمتاع والمؤانسة مكاناً يفتتحه الرئيس ليكون محلاً لتعذيب البشر الأبرياء ثم يطلق عدة مسميات على عدة دور تختص كلٍ منها بمهمة تعذيب معينة ومنها دور التوليد والحضانة ودور الأمومة السعيدة والعناية المركزة بالطحال والمرارة ودور أحباب الحكومة وكلها مسميات رمزية لها معانٍ ابعد في قهرها للناس خاصة للمخابرات حصراً وقد احسن القاص في وصف موضوعة التعذيب والاعتقال من قبل الأجهزة الأمنية وسلوكياتها المشينة التي تجعل الفرد في عزلة شديدة توصله إلى الانقطاع التام عن العالم الخارجي.
وجود المراة
عالج القاص في هذه المجموعة عبر سردياته المختلفة تعالقات وجود المرأة المأسورة بتابوات المجتمع المغلقة التي ما أن تتجاوز احدها حتى تواجه بأخرى وكان عليها ان توظف ادراك تخوم ماسُلب منها عبر العصور والحقب تحت وطأة اثقال وقوانين جعلت منها عاملاً سلبياً لا ايجابياً في حركة المجتمع ولتوظيف ذلك عمد القاص إلى إبداع اكثر من قصة بهذا الخصوص ومنها قصة(وجه ميت بعينين مبصرتين) والقاص هنا عمل على تقنية((البناء المتداخل)) للحدث في الزمان وبذلك يستعمل في سرده سلسلتين للحدث احداهما في الزمان الحاضر وهي التي تتحدث عن وفاة الأم الارملة المضحية المكرسة حياتها لتربية ولدها الذي كان شغوفاً بها يحبها كأن لن توجد مثلها أم وتكون الوفاة بعدم وجوده اذ كان يؤدي خدمته العسكرية فلا يرى وجهها حين موتها الذي يعبر عنه صديقه الطبيب حين يراه أن فيه مسحة حزن وثمة لصفة غريبة في عينيها المفتوحتين بأتساع مدهش تنتظران عودة ذلك الابن الوحيد . والسلسلة الثانية للحدث كانت في الزمن الماضي الذي كان فيه ذلك الطبيب ولداً في الخامسة عشر من عمره وكان يعمل حمالاً مع ابن تلك المرأة (كاظم حيانية) وكان الاخير يتحدث كثيراً عن والدته التي تدعو له حتى ارتسم الدعاء على محياها بعد موتها.
وفي قصة (ردني إلى بلادي) يسرد لنا القاص كلي العلم هم امرأة جديدة تتشبث بزوجها الذي يريد أن يعود إلى بلاده بعدما تزوجها في بلادها وانجب منها طفلين لاتستطيع المغامرة بحياتهما في بلاد لم يفقهوها والبلاد هنا هي العراق الذي لم تخبت ناره حتى بعد سقوط الدكتاتورية،
ان المكان عند القاص هنا معبراً يتبادل الصور والأدوار بينه وبين الشخصية ومن ذلك تترشح الأفكار لتكون المؤسسة له ويتجسد هذا ليشكل بنياتهم الفكرية.اما قصة (زهور لاتبتسم لأحد) نجد الكلام يجري على لسان بطل القصة بانسيابية ورومانسية عالية ليصف لنا (سلوى) صانعة الزهور كيف أن روحها تضفي على الزهور رونقاً اوربما الزهور هي التي أضفت ذلك الرونق على محيا سلوى ذلك ان العمل الذي يمارسه الإنسان دائماً يطبع كل تصرف من تصرفاته به فيوفق السرد في إضفاء تلك الصفات العذبة على تلك الفتاة التي تعيل امها المريضة وأخيها الطائش وكيف ان الحزن غزاها بعد خطوبتها لانسان توحي السطور انه ليس مبتغاها حتى انها حين تتزوج وتترك العمل تختفي مسحة الجمال عن وجهها كما اختفى ذلك الرونق عن الزهور بابتعاد سلوى عن صناعته وهنا ابدع القاص في خلق علاقة روحية بين سلوى والزهور حتى لكأننا نشعر ان تلك الزهور هي مثلنا تحس وتعي اقتراب او ابتعاد الأحبة عنها وبالمقابل أبدع ايضاً بإبراز عدم معقولية الاشياء حين تكون في غير مواضعها حتى تؤثر على ملامح البشر وطبيعتهم فهناك اشارة ما إلى أن الرجل الذي ارتبطت به سلوى هو غير مناسب لها وأن الشاب الذي كان يساعدها في صناعة الزهور هو من كانت ترغب به دون ان تفصح عن ذلك . يستمر القاص في تقصي هموم المرأة في فضاء سرده اما بنشر لقاح اللذاذات طيلة رحلة قراءاتنا لمنجزه او بنثر اوجاع النساء في غرفهم المغلقة واقصد هنا ذاتهم الغير معلنة لنا ففي قصة (يوم الكلب) نجد عجوزاً تستحم في غرفة الضيوف لئلا يشعر بها من يعيش معها في البيت فيعلم بمضاجعتها لزوجها في تلك الليلة التي ارتجفت فيها من شدة البرد والخجل وهي تستحم فيدخل عليها كلب ضال هرب من ايدي الأطفال الذين يلاحقونه بالعصي ليفتضح امرها فتخرج عارية امام نساء اولادها وبيدها سيفاً كانت تدافع فيه عن نفسها ضد الكلب الضال ومن شدة التوتر والهلع تقع مغشياً عليها بعدما تغطيها احدى كناتها بعباءة سوداء اسرعت بها اليها، ثم تبدأ حملة المطاردة للكلب من قبل افراد البيت والجيران الا ان الحدث الاساس في القصة كان ماتنوء به تلك الجدة من ثقل الموروث من الاعراف في رفضها لمضاجعة زوجها بسبب كبر عمرها بل كانت تلصق فيه الشتائم غاضبة وكأنه قام بعملٍ شائن، أن مخيلة القاص هنا استطاعت أن تؤسس مفرداتها أولاً ثم رؤيتها ثانياً وقد تحقق هذا عبر مكان معروف وهو بيت الجد والجدة صاغها ، أي القصة من رحم الواقع بأسلوب المتوالية السردية أي أن الحدث يوحي بما بعده دون تكلف .في قصة (امرأة لم تخلق للحزن) نفاجأ بأمرأة رغم همها الانساني الكبير مع زوجها الذي لاينجب الا انها تستطيع أن تتخذ القرار وتتركه لانها لا تريد العيش في حزن مستمر مع رجلٍ لايستحق منها الصبر والتضحية بحياتها فهو متخلف سيء الطباع والقاص في سرد قصصه جميعها تمكن من استرسالها دون ان يتمطى فيها الزمن ويأخذ لديه الرمز فعله المتمدد الوسيع ونحن نسير مع خطى القص ونتماهى مع احداثه ودواخل شخوصه.
في قصة (بتول تحكي حكايتها..) لابد من القول ان القاص الخالق لوجود الشخصيات في ابداعه وتميز ثرائه وهيبته انما يتأتى من ايهامنا بأن الشخصية التي شكلها بمفرداته وابجديته خيال إنما هي شخصية حقيقية تعيش الواقع، تخطو وتنفعل وتتحدث وتناقش وتعبر عن مكنوناتها التي تغدو امام مشاعرنا حقيقية صادقة وبتول التي جاءت مستلة من خيال القاص تتجسد مخلوقة تعيش أمامنا وتقف ازاء السجينات معها في لحظة حقيقية تبوح بأعتراف صادق كأنه اعتراف ينبثق من امرأة تعيش الواقع بكل ارثه ومجاهيله وأحاجيه حين تقتل زوجها في ليلة عرسها عندما تعلم بزواجه من اخرى بعدما انتظرته واعتبرته حبيبها ولا احد يعلم أن كان يمازحها أم أنه فعلاً قام بذلك
في قصة( عروس لاتجيد الرقص) يصور لنا القاص حال مجموعة من العاملات في معمل يتجاذبن قصصهن وآهاتهن اللاتي يلكنها مع الطعام ويتحدثن عنها بين الفينة والاخرى فمعظمهن لم ينجحن بحياتهن وكانت الاشارة إلى زوجة جامع النفايات (ابا علي/ حين يسألونه عن زوجته ويكنونها بالجديدة فيجيبهم عنها بسخرية أنه طلب منها أن ترقص له في اول ليلة له معها وبعد رفضها فعلت ذلك خائفة مترددة الا انها لاتجيد ذلك وبهدف ارضائه للعاملات وممازحتهن يصور لهن ذلك بتقليد بليد كناية عن عدم اجادتها الرقص والرقص هنا اخذ سمة ايحائية لعدم نجاحهن في الحياة فتقرر احداهن ان لاتكون كتلك العروس وهي المطلقة التي لا تريد بداية لا تعرف الرقص فيها من جديد.
في قصة (شجرة الحب) امرأة رومانسية تحتفل بذكرى تعرفها كلامها على زوجها تحت شجرة اليوكالبتوس في هذا اليوم من كل سنة فتذكره بعذوبة بعد يوم متعب قضياه في زحام الجمعيات من أجل الحصول على كرتون البيض فتقنعه بالذهاب إلى تلك الشجرة على امل اسعاد قلبيهما الا انهما وجدا الحديقة التي حوت الشجرة قد تحولت إلى خراب موحش بفعل الاهمال والحروب لكن ارادة الزوجة دفعت الزوج رغم خوفهما الذهاب إلى الشجرة وايقاد الشموع، سمعا صوت صفارة يعلو وصوتا اجشاً يأمرهما ان يقفا وإذا بالحرس المحلي للمنطقة يظهر لهما ليسألهما عن سر وجودهما هنا واستطاعا أن يقنعاه بقصة مخالفة وبذلك تمكن صانع النص في عرص السياقات للقارئ المتلقي بتشكيل ربما وجود له على ارض الواقع لكنه واقع حقاً يغرينا بتحققه ويغوينا بتمثله لكأن مانقرأه صدقاً وما يترنم في خيالنا وجود له فعله وتأثيره، انفعاله واحاسيسه هدوءه وجنونه .
اما قصة(بستان العاشقين) فهي اخر قصص المجموعة التي تحمل همَّ المرأة وهنا زوجة يخونها زوجها وتراقبه فتذهب إلى احدى المقاهي التي يرتادها كي توقع به إلا انها لم تفلح في ذلك اليوم ويشعر بها النادل الذي هو رجل كبير على علم كبير بنفسية المرأة وما يعتمل في دواخلها حين تجد زوجها بعيداً عنها فيحاول ان ينصحها حين يجدها تحاول الانتحار نصيحة أججت الخوف لديها رغم اختلاقها من قبل النادل الذي افهمها أنه استعمل هذا الدواء الذي تريد أن ترتشفه جعله يعاني طوال حياته من معاناة لاينفك منها حتى انه حرم لذة الطعام بسببه وبذلك ابتدع بحكمته وحنكته مايقنعها بعدم ضرورة للانتحار وهو كان يعلم بخيانة زوجها ورآه يصطحب معه لمدة سنة في كل يوم فتاة يجلس معها ثم ينصرف إلى مكان آخر والقاص هنا أدهشنا وفاجأنا بقدرته على اقناعنا بما يقوله النادل عن الدواء الذي دمر حياته ومن ثم نكتشف في السطور الأخيرة أنه كان فناناً متقناً لتلك الأكذوبة التي أنقذت حياة الزوجة المغلوب على أمرها، وبصدد القاء الضوء على الحالات النفسية التي تحتمل حيوات الكثير من فئات المجتمع تطرق القاص إلى قصتي (خيل الحكومة) و(حكاية عبد القادر ) ففي القصتين معاناة نفسية كبيرة ومفارقات اذ ان البطلة في القصة الاولى يجعلها زوجها الغيور بمعزل عن الحياة حداً يصل بها إلى المرض النفسي ومن ثم المرض العضوي في اصابة خلايا المخ من شدة الاكتئاب الذي ادى بها إلى البكاء من دون سبب والى النسيان المكرر حداً تصل فيه إلى نسيان اسم زوجها الذي تركها في ضياع وطلقها بعدما اوصلها إلى اسوأ حال وكذلك في القصة الثانية فأن عبد القادر لايعرف زوجته وابناءه وهو يجلس قبالتهم في احدى المتنزهات وذلك بفعل الفقر الممض الذي كابده وعدم قدرته على توفير الحياة الكريمة لعائلته وفي القصتين ابدع القاص بوصف اجواء الضيق والاكتئاب والعزلة وماينوء به الفرد عندما يغاير الطبيعة التي اوجده الله بها بفعل ثقل الحياة وضغوطها.
في القصتين السابقتين شكل القاص فواصل للحكي كما لوكانت فسحات لالتقاط الانفس يحتاجها القاص ليواصل قصه الطويل لانه الحكواتي الوحيد طيلة مسار النص فلم يكن هناك سرداً ضم وصفاً يترك لنفسه التواري وليس هناك أي شيء من التداعي الذي قد يغيبه عن المتلقي وذلك نجده ايضاً في قصتي(المخطوفة) و(كان ذلك الرجل أبي) ألا ان الحالة النفسية هنا تكابدها طفلة في الاولى خطفت من قبل مجرمين يريدون ان يبتاعوا جزءاً من اعضاء جسمها وتتمكن من الهرب منهم الا انها لاتعرف كيف تعود إلى عائلتها وتخاف السؤال لأي شخص غريب بفعل مامرت به من رهاب وفي القصة الثانية الطفلة فقدت ابوها البحار الذي غاص في المحيط دون ان يعرفوا بمصيره فيرسم لنا القاص ذكرياتها عنه وقصه لها عن حكايا البحر بعد كل رحلة حتى انها تراه يلوح لها من الباخرة عند تشييعه وكأن ذكرياته اليتيمة كانت تقف عند كل مرفأ لتواسي طفلته حتى اصبحت الطفلة فتاة وكبرت وهي تصور لنا المرارة التي تنتابها حين تسمع صوت الباخرة وهي تذرف الدموع لانها لم تشبع نهمها ونفسها الخاوية من والدها الذي رحل عنها مبكراً بعدما قضى ايامه بعيداً عنها في رحلاته.في قصة (امنيات لم تتحقق) يحسن صانع القص تصوير حالة موت الجد والتقاليد الاجتماعية والاسلامية المتبعة في مراسيم دفنه واقامة مجالس العزاء التي اتت مخالفة بجميع طقوسها عما كان يتمناه الجد حين كان يحكى لحفيده اسراره ومايريد أن يتحقق له بعد وفاته فكان يتمنى ان يقام له عزاءاً كبيراً وتذبح فيه الذبائح السمينة ويوزع اللحم المطبوخ على الناس بما يملأ العين الناظرة وان تمر جنازته عبر السوق الرئيس للمدينة بشكل مهيب وان يكتب على شاهدة قبره انه انى عمره في الدفاع عن البلاد ومات معوزاً مريضاً دون ان تزيدالدولة من راتبه التقاعدي الزهيد وطلب من حفيده أن يكتب ذلك في ورقة كي لاينسى احدى الامنيات وان يقدمها لمن هو اكبر منه حين يموت جده إلا ان الامنيات تبددت بفعل اختلاف وجهات النظر بعد وفاته وكان للجدة الدور الكبير في عدم تحقيقها والقاص هنا واصل جهده القصصي بنفس التأجج واستمر في نشاطه السردي دون استنفاد للطاقة الكتابية بما يثري ذائقة الكتابة ويحيلها للعودة والمتابعة كلما شح فضاء الرغبة في القراءة لدى القارئ.
في قصة (لغة العيون الخائنة ) يصور القاص موضوعة الامانة لدى الانسان البسيط الشريف حين تكون عبئاً عليه ومثار سخرية من قبل الغير فهو كادح فقير يضع ابن عم له مبلغاً ضخماً من المال بأسمه في المصرف ويستعيده منه بعد فترة وفي تلك الفترة يكون المال في تزايد مستمر الامر الذي يثير حفيظة عائلته عليه اذ انه لم يسحب منه رغم عوزه اكراماً لمبادئه التي يحترمها ويدينها الاخرون من ابناء مدينته وافراد اهله الذين لم يصدقوا بوجود انسان يضع هذا المال الضخم بأسم أنسان اخر حتى وأن كان ابن عمه فنعتوه أي الانسان المؤتمن بالبخل واللؤم والخبث حتى شنوا عليه الحرب بجفاء معاملتهم اليه ويكمل القاص تفاصيل ذلك الهم الذي قيد به هذا الرجل الامين والذي لايفرغ منه الا حين يحول المبلغ إلى ابن عمه ويعود حسابه المالي الصغير كما كان قبل تحمله الامانة .
تصوير لاذع
في قصة (زوج الاستاذة) تصوير لاذع لنوع من العوائل التي لها هيمنتها في البلد يقتحم حياتهم رجل فقير من عائلة بسيطة ويتزوج ابنتهم ويبقى الفارق الطبقي ما يئن منه طوال حياته خاصة ان لتلك العائلة سطوة القوي على الضعيف وشعارهم الضعيف دائماً على خطأ اما قوانينهم فهي مكرسة لمصالحهم فلا يهتز لهم طرف أن اساءوا لأحد وأنهوا حياته ودمروا عائلته، المهم لديهم مصالحهم التي حاولوا ادراجه معهم كي يتسلل إلى تلك البذاءة في العيش الا انهم فشلوا وكان هو دائماً محط انظار استغرابهم لعدم استكانته وخضوعه بل وتركه لابنتهم بعدما اتخذ القرار بضرورة ان يحيا حياته كما يريد حتى وان كان محباً لابنتهم وربما ذلك الحب كان ليس في محله وهذا ما ادى به إلى النضوب والانتهاء، والقاص هنا قدم لنا صورة خالية من الرتوش والتزييف ولا تطفو على موجة من الخيال المحلق انما تخطو على اديم واقع حي تتضح امامك صورة الشخوص وتتجلى واضحة بلا تضخيم.في قصة(وحمدت الله لأني فقير) يتميز القاص بتقنية استخدام الرؤيا في تلك الحركة الدائرية التي بدأت باليقظة وانتهت اليها، بعد أن افلح عالم الرؤيا في ان يغشى وعي الشخصية ويطيح به ساحباً بطل القصة ذلك الرجل الذي يغوص في رحلة مليئة بالمال الذي يحصل عليه من نصائح احد المجانين الذين يعرفون السوق التجارية حين كان احد تجارها قبل ان يفقد عقله فيرشد ذلك الرجل إلى ارباح واموال لانضوب لها ويتحسن وضعه المعاشي بل ويملك القصور حتى تأتي المعادلة التي تقوض تلك الحياة الرغيدة حيث يشهر ذلك المجنون سلاحه بوجه الرجل متهماً اياه بسرقة ماله وايصاله إلى الافلاس وبذلك يتمنى الرجل لو يخسر جلَّ ماله مقابل اقناع ذلك المجنون بتنحية السلاح عنه الا انه لم يفلح فاطلق المجنون الرصاص بغزارة جعلت الرجل يستيقظ من اغفاءته على اثر صياح ابن صاحبه الذي تركه نصف ساعة وعاد اليه ليجده نائماً، لقد وظف القاص عالم الحلم بشكل تجلت فيه مظاهر الحياة في تطورها لدى الرجل من خلال رؤية بانورامية أخاذة .
وصلة المقال المنشور :
http://www.azzaman.com/?p=109361

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire