jeudi 23 avril 2015

"هيمنة الموت في بستان العاشقين "



كتبت الناقدة إيمان عبد الحسين في جريدة الزمان الغراء عن مجموعة قصص" بستان العاشقين " للكاتب فيصل عبد الحسن يوم 15/4/2015 مقالا بعنوان :
"هيمنة الموت في بستان العاشقين " فشكراً للناقدة إيمان عبد الحسين ولهيئة تحرير الزمان الغراء محبتهم التي غمرتني :
مجموعة فيصل عبد الحسن
هيمنة الموت في بستان العاشقين – نصوص – إيمان عبد الحسين
علينا أن نشير أولاً ونحن نختار هذه القراءة التي نسلط فيها الضوء على ثيمة الموت في مجموعة القاص فيصل عبد الحسن (بستان العاشقين) الصادرة بالقطع المتوسط عن(دار الشؤون الثقافية العامة )، ولكي يكتسب اختيارنا هذه الثيمة مشروعيته، لا بد لنا ان نستحضر اهم الاسباب التي قادتنا الى هذا الاختيار، من غيران نلوي فيه عنق النص ونحمله مالا يحتمل من الدلالات، بمقدار ما هي استجابة لطبيعة المواضيع التي يغطيها الموت على نحو تام، واكتسائه أهمية بالغة في عدة مستويات، فمن خلال رصدنا لخصوصية الموت التي توسم بها كل قصة نلمح حضوره بشكله المباشر والضمني،واتساع أفق دلالاته مجسداً في اغلب القصص، فعلى امتداد المجموعة لم يكن الموت عارضا وثانويا، فهو يمثل جزءً هاما ضمن سياق الفكرة، وضمن أسلوبه اللغوي، وبما يشمله من عناصر ومفردات وبيئات مكانية تُشير بوضوح تام الى احتضانها للموت في سياقات متنوعة، الموت الذي لم يكن عنصر دخيل على افكار القاص ، انما في اعتقادي ان القاص سعى الى جعل الموت عنصرا أساسيا،واداة فاعلة ،و نواة رؤية يمكن من خلالها اكتناه جدلية الحياة والموت معا، محاولا ابرازه واستحضاره في أشكال متعددة، فنرى ان سمات حضوره تتعد مرة بشكله المباشر اي الموت الطبيعي (الجسدي) الفعلي كما يظهر في اغلب القصص، وشكله غير المباشر (الرمزي) في قصص اخرى، اي يتمثل في معناه السلبي كعجز الشخصية وانكسارها واستسلامها للواقع، كما يشير إلى هيمنة الاجواء المغلقة التي تفرض إطاراً معيناً للحياة جاعلة من الشخصيات رهينة الكبت والحرمان، اضافة الى دلالات الحزن والغربة،التي ربما يُضيئها ويكشف عنها سيرة القاص، التي تبدو العلاقة التي تربط القاص وخصوصية الامكنة والازمنة كما ورد في الصفحة الاخيرة من الغلاف من ان القاص كان قد (غادر العراق عام1995 وتنقل في عدة دول عربية من بينها الاردن وليبيا وتونس ومصر واقام في المملكة المغربية منذ 1997)، اضافة الى القتل والارهاب، أو تذكر الموتى من خلال استعادات لترسبات ماضوية، و من خلال طغيان المرض، ومختلف أشكال القهر، ولعلّ السبب يعود ايضا الى هيمنة معجم الموت واتساع فضائه على امتداد القصص، ولسوف أتناول النتائج التي خلصت إليها، التي يبدو فيها اغلب القصص تتصدّى للموت من زوايا مختلفة ولكنها متلاقية فاذا ما تاملنا قصة (بستان الذكريات) نرى هيمنة الموت بمفهومه الدلالي والفعلي على امتداد القصة فالموت يفاجئنا منذ السطر الاول وما يليه من السطرين التاليين ترد مفردة الموت 6 مرات ( في الليلة السابقة تحدث افراد عائلتي كثيرا عن الموت والموتى ولن اني ما قالته اختي الكبيرة عن ميتة رايتها في شبابها وكانت تعرفها قبل ان تموت وبدت وهي ميتة اكثر جمالا واشراقا منها وهي حية فقد ماتت المسكينة بعد ولادة متعسرة) اضافة الى ان مفردة الموت ترد على امتداد الصفحتين حوالي 20 مرة لنرى ما تشكله ثيمة الموت من هيمنة على شخوص القصة كما لايمكن إغفال دوره الفاعل والمؤثر على الامكنة والازمنة فإن من الواضح أن الامكنة في القصة وفي غيرها من القصص لم تكن, عبارة عن خلفية فحسب, انما في كونها عنصر مهم, إلى جانب العناصر الفنية الأخرى المكوّنة للمعنى، ففي قصة (بستان الذكريات ) لم يكن المكان منعزلاً عن باقي العناصر الاخرى, اذ ان هيمنة الموت انعكست على فضاء القصة فبدت الامكنة عبارة عن امكنة للموت (ثمة خفافيش كثيرة تخطف هنا وهناك وتناور فوق رؤوس المارة وبين ايديهم وامامهم وفي احضانهم ايضا وراى اسفل المصطبة كومة اوراق شجر ذابلة وقرب سياج الحديقة سفت اوراق متساقطة اخرى كثيرة)ص24 اضافة ان الازمنة ايضا وكما يبدو من العنوان ان الزمن قد توقف ولم تبقى الا الذكريات (ساعتي متوقفة منذ زمن لكنني لا اكف عن وضعها في معصمي وانظر اليها انها هدية منه كم الساعة عندك من فضلك ؟ نظر الى ساعته انها متوقفة ايضا )ص27.ويستطيع القاريء في قصة “طعام الاسود”، أن يتبين الهدف غير المعلن مباشرة لتوصيل فكرة الموت، التي تبدو صورته المجازية من خلال كسرة النفس، والغدر، والظلم، فهاهو الاسد الحيوان المهيب ذو الزئير المخيف، ينقلب من خلال اكله الاطعمة (التي تم خلطها بحذق كالفول والارز وفتات الخبز المداف ببقايا امعاء مثرومة وشحوم وجلود وقد رش ذلك الخليط العجيب بدم الذبائح) إلى حيوان آخر الى (اسود كسيرة النفس مهيضة العزة ولا تبدو عليها مهابة الاسود ) اسود كسيرة النفوس ولا تطيق ذاتها، مخلوقات مسكينة لا حول لها ولا قوة). ويبدو الموت أكثر الموضوعات التي حفلت بها قصة ( وجه ميت بعينين مبصرتين) وقصة (ما يحدث بعد الموت ) حضورا، بدءاً من العناوين التي تشير إليه مباشرة، ففي القصة الاولى كان الموت هو عمود الفكرة الأساسية، والتي يسرد فيها الراوي الذي كان طبيبا في المستشفى طول القصة عن موت ام صديقه (كان علي ان اصدر شهادات الوفاة التي تحدث ليلا بعد الفحص والتاكيد من اسباب الوفاة ليتم الدفن في الصباح- نظرت الى الجسد الضئيل المسجى في التابوت وفوقه ملاءة حائلة اللون nكنت اسمعها وهي بتابوت موتها تدعو اللة لابنها وهو في منفاه البعيد – كان وجهها لا يختلف عن وجه اي ام اخرى ميتة رايتها من قبل في نبر الاموات) وفي القصة الثانية منذ البدء يضع القاص اللبنة الأولى في بناء دلالة الموت الكلية على جو القصة حين يطالعنا الراوي بالعمل في شركة نقل الموتى بالدار البيضاء (صرت وجها لوجه امام زهور واغصان وموديلات اشجار بيتية واطئة مخصصة لجنازات محتملة اصص متنوعة ازدحمت في الواجهة الزجاجية للمحل ولكنك حالما تدخل المحل لا تشتم رائحة ازهار بل تداهمك رائحة الموت ).و نتعرف على حقيقة دلالات الموت الذي تنوعت وتعددت المؤشرات الدالة على الموت المعنوي وليس الجسدي في قصة (خيل الحكومة) على امتداد القصة ينقل لنا القاص ولادة فكرة الموت من خلال الحب المريض الرجل لزوجته حتى العلاقات بين الناس شبهها القاص بالزرع الذي يبدو عليه امارات الموت والذبول (الحب المريض الذي ربطني بعجيب هذا الرجل العجيب حقا الغيور حد المرض) ( عدم خروجي من البيت وعدم تنفسي هواء نقيا وبقائي لفترة طويلة بين جدران اربعة بدأت تسوء صحتي ويظهر الشيب في راسي )(العلاقات بين الناس مثل الزرع الذي لا يحصل على العناية والسقي المستمرين فانه يصفر شيئا فشيئا ويذبل ثم يموت )ثم الموت من خلال عدم الانجاب (وقد شاء الله ان لا نزرق انا وعجيب باطفال) .، كما تطرح قصة (امنيات لم تتحقق) أنماطها خلال جنوح كل العناصر الصانعة للقصة صوب الموت فلو جمعنا كل المؤشرات والرموز انطلاقا من نقطة البدء التي يضعنا القاص في أول جملة بنائية في أجواء الموت بخبر قرب موت الجد الذي هو الحدث البارز، كبؤرة مركزية نرى ثيمة الموت تتكرر على امتداد القصة (قبل ان يموت جدي بفترة قصيرة كنت الوحيد الذي يلازمه طوال الوقت ) (جدي قد مات اسرعت الى جدتي واعمامي الذي قضوا الليل الى جواره )( تمر جنازته عبر السوق الرئيسي لمدينتنا بشكل مهيب ليعرف المعارف والغرباء ان ذلك المحارب القديم الذي ساهم في معارك الوطن قد مات- في كل لحظة كنت انتظر ان يرفع الجد رأسه من التابوت )، ولبحث القاص عن أشكال تعبيرية عن أنماط مغايرة للموت تكشف عن كذلك في قصة (عروس لا تجيد الرقص) نرى ان الموت ياتي مرة حين ( تتوقف ماكنة الانتاج لفترة طويلة بسبب تكدس الانتاج او لعطل طاريء او لانقطاع التيار الكهربائي )،كما ان المفردة اللغوية للطلاق تنطوي في ذاتُها على بعدٍ الانفصال، فهي تحمل دلالات معاني الترك والإعراض والقطيعة الذي يوحي الى اليباس ، (تنصت لصوت امها الذي يحذرها من الطلاق وينبهها الى انها ستغدو بعد الطلاق شجرة مهملة لا يسقيها احد وستكون جذعا اجرد بعد سنوات قليلة )، كما يستمد الموت حضوره في قصة(زهور لا تبتسم) من خلال الورود التي ينالها الذبول (انها حالما يتم تلقيحها بحبوب الطلع تفقد اوراقها والوانها وعطورها وتتحول الى كائنات صلعاء متضخمة قبيحة )( اشعر بان باقات زهوري تعاني من شيء ما من حزن ما من مرض ما) ، وفي قصة (يوم الكلب) ترد تشكلات مختلفة للموت، ففكرة الموت تاتي مرة من الاشتباه في موت الجدة، ومرة اخرى من خوف الكلب من الموت، (اعتقدنا جميعنا نحن الذين حضرنا تلك الواقعة ان الجدة قد ماتت ولكن في حقيقة الامر انها فقدت وعيها بعد دخول الكلب وخوفها منه )- (انه سيموت دون المكان وذلك ارحم من الموت في الشارع اغتيالا وتمثيلا بجثته بايدي صبية مراهقين نزعت الرحمة من قلوبهم وايديهم طوال الصباح الباكر كانت تلوح له بكل وسائل الموت وادواته ). في قصة (المخطوفة) نتعرف على الموت و نتلمسه بطريقة تختلف عن طريقة عرضه في القصص الاخرى، اذ ان الاحالة على الموت تتم من خلال حركتين، تتجه الحركة الأولى من خلال خطف الفتاة الصغيرة من قبل عصابة،والحركة الثانية تتجه من خلال قتل القط للبلبل، (مر اسبوع على الم الاختبارات وخلاله رات قفص الطيور في باحة الحوش مسكونا ببقايا الريش والدم لقد فتك القط بالبلبل المسكين بكت كثيرا عند القفص دون ان يهتم احد بدموعها وفي نهاية الاسبوع استطاعت ان ترى من خلال النافذة ةقبضات الرمل الناعم والحشرات الميتة )وتتجلّى صورة الموت في قصة (حكاية عبد القادر) اولها في( درجة الحرارة المرتفعة والرطوبة الخانقة في الهواء واحوال الدنيا السيئة )، وثانيها في وصف العشب( يلعبون الكرة على سجادة من العشب الاصفر الذي ذبل بسبب ملوحة الارض واهمال عمال البلدية )،واخرها في صورة البكاء والاختناق الذي تنتهي القصة به( فقد طفق يبكي بمرارة ويتنهد بصوت مسموع ومن يسمعه يظن ان الرجل على وشك الاختناق)، كما تثبت المقاطع التالية من قصة (زوج الاستاذ) استخدامه تقانات مختلفةً للتعبير عن الموت الذي يتسلّل في ثنايا القصة بعدة طرق في البدء بما تختزنه الدواخل المتأزمة الواقفة على شفا الانهيار بعدم الزواج المتكافيء الذي فجّر المكنونات الداخلية، مما دفعتها إلى التفكير في الموت (اكتشفت انها تلك الارض الصخرية التي تحولت فيها طوال السنوات الماضية الى مجرد اشواك- و افكر بالموت كل لحظة بضربة عصا احد الشقاوات-)( انا اعرف انه فصل الموت لا فصل الولادة )، و في وصف الواقع القاسي الذي واجهه السجين ( ترك يقضي بقية حياته في سجون مرعبة يتمنى فيها الموت على الحياة ) ،كما تمثل ثيمة التلف والدلالات المتولدة عنها مدخلاً إلى الموت ( لا يتورعون عن بيع مواد تالفة او في طريقها الى التلف باعلى الاسعار دون وازع اخلاقي اوضمير)، ويستمد (الموت) حضوره في قصة (امراة لم تخلق للحزن) من دلالات متنوعة، ابرز عناصرها الدلالية الاولى التي كان لها إسهام جلي في رسم ملامح حضور الموت هي عدم القدرة على الانجاب، (يلج البعير من سم الابرة بهذه النتائج من ان تحمل زوجته بهذه الحيامن الضعيفة التي يملكها وحالما تخرج للحياة حتى تموت متحللة من عناصرها الاولية )، والدلالة الاخرى في حدود المكان المحطم الذي تعبث به رائحة الموت من وصف غرفة النوم ( غرفة نومهما كانت مخلوعة النوافذ والباب والستائر ممزقة بشعة والاغطية اللامعة مركونة في فوضى تامة والاشياء الصغيرة التي تشترتيها لتزين بها غرفة نومها راتها عديمة المعنى اشياء غبية مرمية في الزوايا بعد ان حطمتها يد قاسية )، كما ان القاص الذي يبحث في الذاكرة عن أداة أو لغة يعبّر من خلالها عن الموت في اغلب القصص يأتي في ً قصة (بتول تحكي قصتها) ليعبّر بالرمز مرة، والمباشرة مرة اخرى، وذلك لكي يمنح ثيمة الموت أبعاداً أوسع، يمنحها والاتساع والتأويل، حاملا التنوع في بنيته السطحية أو في بنيته العميقة فتخرج من الزمان الى المكان، (هل صارت الانسة امراة لا احد يعرف فهي عروس ترملت ليلة عرسها )(رجال يعومون بالدخان عمال السكك يسرعون وبايديهم فوانيس مطفاة )( الفجر القادم فجر هاته المسجونات وحدهن لا يشاركهن فيه احد فجر خاص للمحطات المقفلة اللمملؤة بالغرباء والشحاذين واصحاب العاهات )( تلمح من مكانها دروب وشوارع تلك المدن الغارقة في الصمت والرطوبة والوحشة)، كما ان الحرب كاشتغال تقني تعد من المفردات التي ينزع القاص من خلالها رصد التحولات التي سببتها التي ابرزها الموت في قصة( شجرة الحب) العبارة التالية تخفي تحتها عالماً من الدلالات عن الموت (في الحديقة الصغيرة التي حول الشجرة قد تحولت بفعل القصف المدفعي اثناء الحرب السابقة والزمن وعدم الاهتمام الى خراب موحش وحتى الاشجار الصغيرة التي كانت تعد الزهور والاثمار تيبست لانها لم تسق بانتظام ولم يهتم احد بها منذ فترة طويلة فيبست وماتت وبدت من بعيد في الظلام مثل هياكل عظمية مخيفة)، وفي قصة (كان ذلك الرجل ابي) مفهوم الموت يختلف عند الفتاة الشابة التي تسترجعه من خلال موت والدها (كانت لحظتها تسترجع مراسم التشيع الرمزي الذي اقامته نقابة الصيادين لابيها تتذكر بحسرة ان فرقة شعبية للموسيقى عزفت في ذلك الحفل الذي لم تصمد فيه امها طويلا وفقدت وعيها مرتين)، ولو توقفنا في قصة (قص الشريط)، من خلال السياق الذي جاءت فيه عبارة (تلك الاشد رعبا وفتكا بالناس والخاصة باذابة اجساد المعارضين بالحوامض المركزة) لندرك المرارة التي يحسّها القاص، من حيث الرؤية ودوافع الشخصيات ومصـــــائرهم وهو يستبطن النّص في السجون واماكن القـــــــتل والتـــــعذيب.
واخيرا إن الامثلة والاشتهادات المطولة ما هي الا وسيلة نخدم فيه توجهنا الذي اعتمدنا عليه في قراءة مجموعة (بستان العاشقين) والذي حاولنا فيه رصد تراكم ثيمة الموت الذي سعى القاص الى استثمارها في اشكال متنوعة.
للاطلاع على المقال النقر على الوصلة أدناه :
http://www.azzaman.com/?p=109583

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire