vendredi 22 avril 2022

اعتذار مجلة الأقلام من كتاب عراقيين


 لم يفرحني نشر شهادتي في مجلة الأقلام المحكمة التي كانت ولا تزال مطمحاً للنشر على صفحاتها، منذ نشرها أول قصة لي على صفحاتها وأنا في العشرين من عمري.. بقدر الذي أفرحني حقاً الاعتذار الحضاري الذي نشرته على صفحاتها مني ومن كاتبين آخرين، لخطأ تقني منع من ظهور شهاداتنا في كتابها الموسوم" مئة عام من السرد ..مئة عام من الدولة " تحياتي وشكري للكبيرين د.عارف الساعدي ود.حمزة عليوي والقائمين عليها..

jeudi 30 avril 2015

ساعي بريد العراقيين الغرقى


Print Friendly
هجرة الموت السرية
ساعي بريد العراقيين الغرقى – نصوص – بقلم:  فيصل عبد الحسن
  عندما يتناول الأدباء العراقيون الهجرة السرية لأبناء بلدهم، فإنهم يضعون في اعتبارهم أيضاً تاريخاً طويلاً ومؤلماً لهجرة أسيويين وأفريقيين من أوطانهم المنكوبة بالحروب والمجاعات، والفتن الأثنية والطائفية، سبقوهم، وكذلك كان عليهم تتبع التفاصيل الدقيقة المستخدمة في وسائل التهريب الغير شرعي بين دول الجنوب والشمال.
 وهذا يجعلهم يفتحون أحد أهم ملفات الأتجار بالبشرعبرالدول، واستغلال البعض لمآسي الناس في سبيل جمع ما يمكن جمعه من أموال على حساب ألام الناس، وشجونهم وبحثهم عن حياة آمنة وكريمة.  ففي رواية ” الهندي المزيف ” للكاتب عباس خضر تحدث السارد عن مخطوطة وجدها الروائي في أحد القطارات الإلمانية، وتلك المخطوطة كانت تحمل عنواناً دالاً ” ذكريات ” هي في الحقيقة مسودات ليوميات مهاجرعراقي ” رسول حميد ” وصل إلى ألمانيا حديثاً بعد مكابدات شتى ورحلات مارثونية بين دول العالم، تعرض خلالها لمخاطر شتى كاد خلالها أن يموت عدة مرات، ولكن الله تعالى كان ينقذه في كل مرة.
هندي عراقي
   وفي ديوانين شعريين لذات الكاتب، هما” تدوين لزمن ضائع″2002 و”ما من وطن للملائكة”2004 وردت ذات التعادلية بين الموت في الوطن أو الهجرة إلى الموت والكاتب كغيره من كتاب العراق، الذين رفضوا عسكرة البلاد وأدخالها في حروب عبثية، عاش أحداثاً دراماتيكية في العراق، وكذلك حتى بعد هروبه من العراق، وقد كتبت عن ديوانه الأول” تدوين لزمن ضائع″ فور صدوره عام 2002، وأشرت فيما كتبته إلى التسجيل الوقائعي اليومي في طرح مأساتنا كعراقيين، وتحويل الويلات التي نعيشها إلى نص شعري يحرك مكامن التأثر في روح أي قارئ يقرأ ذلك الشعرأو يسمعه، وقد أستطاع الكثير من شعراء النثر العراقيين المهاجرين من العراق تحويل ما مررنا به من مرارات إلى قصائد جميلة تحكي عن الفقدان، وحزن الأمهات العراقيات اللائي تألمن طوال عقود من الحروب، والحصارات، وفقدان الأحباء من الأهل والأبناء، وما أصابهم من مصاعب في حياتهم في وطنهم، وحتى بعد مغادرة وطنهم بسبب الحروب مع دول الجوار، التي أحرقت الأخضر واليابس، وتسببت في صعوبات حقيقية  لملايين العراقيين في العراق وخارجه.
  تندرج مأساة بطل ” الهندي المزيف” ” رسول حميد ” فيما يسمى ” البحث عن هوية بديلة ” فقد اعتقد كل من قابله خارج العراق من الأجانب بإنه هندي قادم من الهند ليطلب لجوءاً في ألمانيا، بسبب صفاته الخارجية، ولونه الأسمر ولكنته المميزة.
 انعكست في تلك اليوميات جميع المتاعب والصعوبات الحقيقة التي واجهها خضر في حياته، ولنا أن نتخيل معاناة خضر، الذي لم يكن سوى شاب صغير موهوب، ورواية “الهندي المزيف”  حكت جانباً من هذه المأساة.
يوم القيامة
  وقد رويت انا شخصياً في روايتي ” تحيا الحياة ” بعض التجارب التي مرَّ بها العراقيون من خلال معايشة الذين رافقوني في عمليات تجاوز الحدود بجوازات مزوَّرة، فقد كانوا يموتون خوفاً في كل لحظة، خلال عبورهم من نقطة الحدود ” طريبيل ” فعقوبة التزوير في أوراق رسمية في العراق معروفة بقسوتها عند تجاوز الحدود العراقية بأتجاه الاردن وخصوصاً إذا كان الذي فعلها سجيناً سياسياً سابقاً.
  وفي الأردن وبعد معاناة طويلة ومريرة للشعراء والقصاصين والصحفيين والمهندسين والأطباء والحرفيين العراقيين من البطالة والقليل منهم من المحظوظين من يحصل على عمل في مهن مختلفة، ويجمع مبلغاً صغيراً من المال، ليسافر إلى خارج الأردن المعروفة في فترة التسعينات من القرن الماضي بصعوبة العيش فيها، لقلة الاعمال وغلاء المعيشة بالنسبة للعراقيين الخارجين من بلد يعاني من تضخم اقتصادي كبير ضاعف أسعار لك شيء، وقد تركوا بلادهم بجيوب فارغة إلا من مبالغ ضئيلة، ليصيروا بعيداً عن دوامة الأقتصاد المتدهور في العراق.
  وهم يعانون أيضاً أضافة إلى ذلك بين الحين والآخر في تلك السنوات السود من حملات البحث عن المقيمين غير الشرعيين في الأردن، وقد كان الكثيرون من الأدباء العراقيين من أولئك المقيمين غير الشرعيين، وحالما يتم القبض عليهم يتم إبعادهم مجدداً إلى وطنهم nالعراق- حيث تتلقفهم أيدي رجال مخابرات الدولة في ذلك العهد، من منطقة طريبيل الحدودية، خصوصاً لمن كان جواز سفره مزوراً، فكان ذلك مصدر رعب للجميع، ومعنى ذلك بأختصار أن  يصير المقبوض عليه، ضمن قوائم المختفين إلى الأبد !..
  ولا يعرف احد مصيره، إلى ان يأتي يوم القيامة، وعندها يأتي كل شاهد بشهيد، لذلك تشبث الكثيرون من العراقيين بذلك الملجأ المؤقت بأي ثمن، والبحث عن أية وسيلة للهروب من ذلك القدر المأساوي بالابتعاد ما أمكن عن أرض الأردن.
ساعي بريد الغرقى
   وعندما تجيء الفرصة المناسبة، فيثب العراقيون من الأردن مع الذاهبين إلى المجهول، إلى مكان ما من شمال إفريقيا حيث يبقى هناك العراقيون مثل ذئاب جائعة وجريحة (كما وصف أحد النقاد في إحدى مقالاته العراقيين الفارين إلى تونسO) ويبقون ينتظرون الفرج وخلال ذلك يكتبون رسائلهم الأخيرة، التي يودعونها قبل أن يركبوا البحر في زوارق المهربين المتهالكة، او يعهدون بها إلى اصدقاء لهم يبقون على الساحل التونسي بأنتظار فرصة أخرى للأبحار إلى المجهول، وعليهم أن يوصلوا تلك الودائع والرسائل الأخيرة لأهلهم في حالة غرقهم، وأنقطاع أخبارهم في لجج البحر الأبيض الموتسط، وكم من رسالة غريق فقد في البحر من العراقيين بُعثت لأهله بعد التأكد من موته غرقاً، فسُمِيَّ من يكلف برسائل الغرقى، ساعي بريد العراقيين الغرقى، وفي روايتي ” سنوات كازابلانكا ” سردتُ مأسي أكثر من خمسة ملايين عراقي مهاجر، ومن ضمنهم أولئك الغرقى الذين ابتلعهم البحر، من الذين وجدوا في أعماق البحار مقراً أبدياً لأجسادهم، أتذكر هنا الذين غرقوا في تيتانيك الفقراء قريباً من السواحل الأندنوسية، وهم يحلمون بالوصول إلى قارة أستراليا أواخر عام 2001 .
  وراح ضحية تلك الكارثة 350 عراقياً بينهم 150 طفلاً و12 امرأة حاملاً،  ثلاثة منهن كُنَّ في شهور الحمل الأخيرة، وعثر على جثثهن، وأطفالهن الذين ولدوا لحظة الغرق، وقد ألتفت حول رقابهم النحيلة الحبال السرية للمشائم، لهولاء، ولغيرهم ممن غرقوا في بحر مضيق جبل طارق، وهم يحلمون بالوصول إلى الأراضي الإسبانية، وممن فارقونا جميعاً وغيرهم، وبقـــــيت قبــورهـــــم في صدورنا.
رحلة الموت
أولئك الذين كانوا يبحثون عن فرصة حياة، وحين أنجاهم الله تعالى من الموت المحقق أخذوا يبحثون في اليوم التالي عن فرصة ثانية، ليعبروا مجدداً في زورق من زوارق الفقراء، المهلهلة التي لا تصمد لأي موجة متوسطة من أمواج البحر الهادرة، وكان لا يرعى زورقهم غير الله وحده، أستجابة فيما يبدو لدعاء الأمهات، والأباء أن ينقذ الله تعالى أولادهم، فبقيت الزوارق فوق سطح الماء، ولم يتركها الله تعالى تغرق في أعماق البحر، أنها دعوات أمهات وأباء حرى أستجاب الله تعالى لها بفيض محبته وكرمه.
 فعبروا مع العابرين وكان البحر الأبيض في تلك المرة التي عبر بها بعضهم كريماً،  فلم يبتلعهم كالذين سبقوهم، في رحلات سابقة، وبعد وصولهم إلى تركيا، أستقروا لبعض الوقت ليلتقطوا أنفاسهم، ومن جديد أخذوا يبحثون عن عمل، مؤقت ليجمعوا منه مبلغاً من المال يستعينون به ليتمكنوا من أن يثبوا وثبة أخرى تخرجهم من تركيا.
  ومن هناك يرحلون مع من نجا من رحلة الهلاك السابقة في صندوق حديدي لإحدى الشاحنات، وبما في ذلك من مخاطر الأختناق حتى الموت، في شاحنة ضاجة بأصوات المهاجرين السريين، الذين يحلمون بعبور الحدود بأي ثمن، حتى ولو كان ذلك الثمن حياتهم.  ويعبرون الحدود اليونانية، ومن اليونان يرحلون مجدداً، وخلال بضعة شهور يتنقلون بين مدن أوربية كثيرة، مستخدمين أقدامهم كوسيلة نقل مجانية، وفي بعض الاحيان كان يشملهم كرم سائق شاحنة، أو سائح عطوف، فينقلهم مجاناً من مدينة إلى أخرى، ومن دولة إلى أخرى، ليستقر بهم المقام أخيراً في ألمانيا، أمام بوابة ” المفوضية العليا للأجئين ” لتبدأ التحقيقات ورحلة مــــوت أخرى.
{ كاتب عراقي مقيم في المغرب
 نشر المقال في جريدة الزمان الدولية بالوصلة الألكترونية :

http://www.azzaman.com/?p=104653





jeudi 23 avril 2015

لا ثمار في بستان العاشقين



كتبت الناقدة رنا صباح خليل عن "بستان العاشقين " للكاتب فيصل عبد الحسن
في جريدة الزمان الغراء مقالاً بعنوان : لا ثمار في بستان العاشقين... شكرا للناقدة رنا ولجميع الأخوة في هيئة تحرير الزمان الغراء
قراءة بمجموعة القاص فيصل عبد الحسن
لا ثمار في بستان العاشقين سوى الهم – نصوص – رنا صباح خليل
يتعين علينا بدءاً تفكيك العنوان الرئيس (بستان العاشقين) كيما نتوصل إلى الفضاء الدلالي الذي تتحرك فيه قراءتنا للمجموعة القصصية الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة عام (2013).
يتكون العنوان من مفردتين (بستان) و (العاشقين).
فـ(بستان) يحيل إلى المكونات الثابتة والمفاهيم التي تم التوصل اليها من خلال المراقبة والمعايشة للنص ليتضح لنا ان البستان هو الحياة وال (العاشقين) هم الشخوص داخل النص رغم تفاوت أدوارهم ومستوياتهم فهم في النهاية عاشقين للحياة التي هي الحاضنة الأم حين تضعنا على مشارف انتهاء عذب لأي قصة ضمن متون النص، عذوبة رائعة مستلة اما من أقانيم المتعة الاشراقية حيث النهاية هانئة وسعيدة أو متعة شفيفة مضمخة بمسرح الأسى وأنفاس الحزن جاء بها حامل النص ومنجزه الذي استلها من لميم المعارف والاطلاعات وانتجها من تفاعل المفاهيم وامتزاج الصور في بوتقة الخيال. وللدخول إلى (بستان العاشقين) لابد من المرور بالاهداء في اول الصفحات اذ أن حومة تجسيد النص القصصي تبدأ منه فهو يعد قصة بحد ذاته حين يهدي القاص مجموعته إلى ابنه الذي لم يقل كلمة في حياته ولم يسمع او يتكلم الا انه يهب الحياة نكهة الابتسام فهو من ذوي الصم والبكم لكنه واهب السعادة للآخرين وموصيهم بها ومعلناً عنها من خلال عينيه واصابعه واشاراته ثم يذكر القاص قصيدة (بستان العاشقين) لجلال الدين الرومي وكما هو معروف يتراوح استعمال الشعر في القصة بين آلتي التضمين والصوغ الشعري ويتمظهر الصوغ الشعري في صيغتين: احدهما تتجلى في لجوء القاص إلى ادراج القصيدة المنظومة اوالمقطوعة الشعرية، خدمة لبناء النص، واختراق نسيج لغته السردية النثرية ومن هذا الصوغ الشعري نقرأ:
لاتذهب للبستان بدوني
منتشياً بالرقص تذهب
في البستان سأرى عينيك
وفي عينيك سأرى البستان
في قصة (طعام الأُسود) اول قصة في المجموعة استعمل فيها القاص البناء المتتابع للحدث فبطل القصة رجل يبحث عن عمل ويجده في حديقة للحيوانات مهمته يطعم الأُسود ويهتم بهم وكان يظن انه عمل بسيط يمكنه من قرءاة الكتب اثناء الفراغ في تلك الحديقة الا انه يصطدم بعكس ماكان يفكر ويكون الحدث الاول لقاءه بالمدير الذي ظن انه لن يقبله للعمل بناءً على نظرته الاولى له الا أن الأخير سلمه زمام الامور ووكله الاهتمام بالأسود كمساعد مُطعم الاسود وتكون مهمته تقطيع اللحوم وتقديمها مرتين في الصباح والمساء، بعد ذلك يفاجئنا السرد ضمن مشهد مليء بالخيبات والأسى إذ يجد ذلك الرجل ان اللحوم التي قطعها هي من حصة المدير واعوانه وليس للأسود سوى اردأ الاطعمة التي تتقزز منها النفوس فيعرب عن انكسار الاسود وزوال هيبتها رغم زئيرها المخيف، وهنا لم يغير من طبيعة بناء القصة المتتابع للحدث في الزمان، سلسلة الذكريات التي تعرض لها القاص وهو يتحدث عن فقره واحتياجه للاقتراض من الغير فضلاً عن الحياة النفسية له ولزوجته وهما يصارعان من اجل حياة كريمة .
وهذه الثيمة نجدها في قصة (مايحدث بعد الموت) ايضاً فالبطل يوظف نفسه في عمل لايناسبه ويؤدي به بالنهاية إلى الطرد الا ان العمل هذه المرة في بلاد غريبة في شركة نقل الموتى من بلد لبلد ولايتناسب معها الشخص الرومانسي المحب للحياة .
في قصة(بستان الذكريات) نجد التغريب يعمل عمله في خلق المصادفة واثارة الدهشة والمفاجأة لدى القارئ لأرباك قناعاته وخلخلة مسلماته ففي حديث مسبق في ليلة فائته عن الموت يحيلنا النص إلى لقاء اشبه بالحلم بين بائع للمشروبات الغازية في حديقة تدعى (حديقة العشاق) وفتاة من جيل مضى عليه ثلاثون عاماً بزيها القديم وتصرفاتها الغرائبية في انتظارها لحبيبها الذي تصفه في حال يماثلها من الغرابة فيجري الحديث بينها وبين بائع الكوكا كولا فيحكي لها عن فتاة قتلها ابن عمها، كانت تجلس في مكانها في لقاء مع حبيبها ومن حينها ابتعد العشاق عن الحديقة وهذه اشارة إلى أن تلك الفتاة هي الفتاة نفسها والتي يبدو انها جاءت من عالم آخر لتلتقي بحبيبها في مثل هذا اليوم من السنة ثم يحيلنا النص إلى تفاوت بين الحلم واليقظة إذ تتحدث بغرابة وتنتهي بأفعال غير معقولة عندما تتحول إلى هيكل عظمي ثم تختفي مثيرة الرعب في قلب البائع الذي لايجد منها سوى بركة من مشروب الكوكاكولا وبعض القناني الفارغة. في قصة (قص الشريط) يصف لنا القاص حالة من الحالات المريرة والمهدمة للمجتمع الإنساني حيث يكون هم الدولة الاساس تقليص إعداد الشعب باعتقالهم وتعذيبهم وإقصائهم عن الوجود المكرس لخدمة قائد الدولة حصراً وفي ذلك قتل للبراءة وانتهاك لمشروعية الحياة لكل إنسان، يوفق القاص بوصف تلك الأجواء حين يقتحم أسماءها ومهماتها الامنية او غير الأمنية بالنسبة للشعب فيكون دار الإمتاع والمؤانسة مكاناً يفتتحه الرئيس ليكون محلاً لتعذيب البشر الأبرياء ثم يطلق عدة مسميات على عدة دور تختص كلٍ منها بمهمة تعذيب معينة ومنها دور التوليد والحضانة ودور الأمومة السعيدة والعناية المركزة بالطحال والمرارة ودور أحباب الحكومة وكلها مسميات رمزية لها معانٍ ابعد في قهرها للناس خاصة للمخابرات حصراً وقد احسن القاص في وصف موضوعة التعذيب والاعتقال من قبل الأجهزة الأمنية وسلوكياتها المشينة التي تجعل الفرد في عزلة شديدة توصله إلى الانقطاع التام عن العالم الخارجي.
وجود المراة
عالج القاص في هذه المجموعة عبر سردياته المختلفة تعالقات وجود المرأة المأسورة بتابوات المجتمع المغلقة التي ما أن تتجاوز احدها حتى تواجه بأخرى وكان عليها ان توظف ادراك تخوم ماسُلب منها عبر العصور والحقب تحت وطأة اثقال وقوانين جعلت منها عاملاً سلبياً لا ايجابياً في حركة المجتمع ولتوظيف ذلك عمد القاص إلى إبداع اكثر من قصة بهذا الخصوص ومنها قصة(وجه ميت بعينين مبصرتين) والقاص هنا عمل على تقنية((البناء المتداخل)) للحدث في الزمان وبذلك يستعمل في سرده سلسلتين للحدث احداهما في الزمان الحاضر وهي التي تتحدث عن وفاة الأم الارملة المضحية المكرسة حياتها لتربية ولدها الذي كان شغوفاً بها يحبها كأن لن توجد مثلها أم وتكون الوفاة بعدم وجوده اذ كان يؤدي خدمته العسكرية فلا يرى وجهها حين موتها الذي يعبر عنه صديقه الطبيب حين يراه أن فيه مسحة حزن وثمة لصفة غريبة في عينيها المفتوحتين بأتساع مدهش تنتظران عودة ذلك الابن الوحيد . والسلسلة الثانية للحدث كانت في الزمن الماضي الذي كان فيه ذلك الطبيب ولداً في الخامسة عشر من عمره وكان يعمل حمالاً مع ابن تلك المرأة (كاظم حيانية) وكان الاخير يتحدث كثيراً عن والدته التي تدعو له حتى ارتسم الدعاء على محياها بعد موتها.
وفي قصة (ردني إلى بلادي) يسرد لنا القاص كلي العلم هم امرأة جديدة تتشبث بزوجها الذي يريد أن يعود إلى بلاده بعدما تزوجها في بلادها وانجب منها طفلين لاتستطيع المغامرة بحياتهما في بلاد لم يفقهوها والبلاد هنا هي العراق الذي لم تخبت ناره حتى بعد سقوط الدكتاتورية،
ان المكان عند القاص هنا معبراً يتبادل الصور والأدوار بينه وبين الشخصية ومن ذلك تترشح الأفكار لتكون المؤسسة له ويتجسد هذا ليشكل بنياتهم الفكرية.اما قصة (زهور لاتبتسم لأحد) نجد الكلام يجري على لسان بطل القصة بانسيابية ورومانسية عالية ليصف لنا (سلوى) صانعة الزهور كيف أن روحها تضفي على الزهور رونقاً اوربما الزهور هي التي أضفت ذلك الرونق على محيا سلوى ذلك ان العمل الذي يمارسه الإنسان دائماً يطبع كل تصرف من تصرفاته به فيوفق السرد في إضفاء تلك الصفات العذبة على تلك الفتاة التي تعيل امها المريضة وأخيها الطائش وكيف ان الحزن غزاها بعد خطوبتها لانسان توحي السطور انه ليس مبتغاها حتى انها حين تتزوج وتترك العمل تختفي مسحة الجمال عن وجهها كما اختفى ذلك الرونق عن الزهور بابتعاد سلوى عن صناعته وهنا ابدع القاص في خلق علاقة روحية بين سلوى والزهور حتى لكأننا نشعر ان تلك الزهور هي مثلنا تحس وتعي اقتراب او ابتعاد الأحبة عنها وبالمقابل أبدع ايضاً بإبراز عدم معقولية الاشياء حين تكون في غير مواضعها حتى تؤثر على ملامح البشر وطبيعتهم فهناك اشارة ما إلى أن الرجل الذي ارتبطت به سلوى هو غير مناسب لها وأن الشاب الذي كان يساعدها في صناعة الزهور هو من كانت ترغب به دون ان تفصح عن ذلك . يستمر القاص في تقصي هموم المرأة في فضاء سرده اما بنشر لقاح اللذاذات طيلة رحلة قراءاتنا لمنجزه او بنثر اوجاع النساء في غرفهم المغلقة واقصد هنا ذاتهم الغير معلنة لنا ففي قصة (يوم الكلب) نجد عجوزاً تستحم في غرفة الضيوف لئلا يشعر بها من يعيش معها في البيت فيعلم بمضاجعتها لزوجها في تلك الليلة التي ارتجفت فيها من شدة البرد والخجل وهي تستحم فيدخل عليها كلب ضال هرب من ايدي الأطفال الذين يلاحقونه بالعصي ليفتضح امرها فتخرج عارية امام نساء اولادها وبيدها سيفاً كانت تدافع فيه عن نفسها ضد الكلب الضال ومن شدة التوتر والهلع تقع مغشياً عليها بعدما تغطيها احدى كناتها بعباءة سوداء اسرعت بها اليها، ثم تبدأ حملة المطاردة للكلب من قبل افراد البيت والجيران الا ان الحدث الاساس في القصة كان ماتنوء به تلك الجدة من ثقل الموروث من الاعراف في رفضها لمضاجعة زوجها بسبب كبر عمرها بل كانت تلصق فيه الشتائم غاضبة وكأنه قام بعملٍ شائن، أن مخيلة القاص هنا استطاعت أن تؤسس مفرداتها أولاً ثم رؤيتها ثانياً وقد تحقق هذا عبر مكان معروف وهو بيت الجد والجدة صاغها ، أي القصة من رحم الواقع بأسلوب المتوالية السردية أي أن الحدث يوحي بما بعده دون تكلف .في قصة (امرأة لم تخلق للحزن) نفاجأ بأمرأة رغم همها الانساني الكبير مع زوجها الذي لاينجب الا انها تستطيع أن تتخذ القرار وتتركه لانها لا تريد العيش في حزن مستمر مع رجلٍ لايستحق منها الصبر والتضحية بحياتها فهو متخلف سيء الطباع والقاص في سرد قصصه جميعها تمكن من استرسالها دون ان يتمطى فيها الزمن ويأخذ لديه الرمز فعله المتمدد الوسيع ونحن نسير مع خطى القص ونتماهى مع احداثه ودواخل شخوصه.
في قصة (بتول تحكي حكايتها..) لابد من القول ان القاص الخالق لوجود الشخصيات في ابداعه وتميز ثرائه وهيبته انما يتأتى من ايهامنا بأن الشخصية التي شكلها بمفرداته وابجديته خيال إنما هي شخصية حقيقية تعيش الواقع، تخطو وتنفعل وتتحدث وتناقش وتعبر عن مكنوناتها التي تغدو امام مشاعرنا حقيقية صادقة وبتول التي جاءت مستلة من خيال القاص تتجسد مخلوقة تعيش أمامنا وتقف ازاء السجينات معها في لحظة حقيقية تبوح بأعتراف صادق كأنه اعتراف ينبثق من امرأة تعيش الواقع بكل ارثه ومجاهيله وأحاجيه حين تقتل زوجها في ليلة عرسها عندما تعلم بزواجه من اخرى بعدما انتظرته واعتبرته حبيبها ولا احد يعلم أن كان يمازحها أم أنه فعلاً قام بذلك
في قصة( عروس لاتجيد الرقص) يصور لنا القاص حال مجموعة من العاملات في معمل يتجاذبن قصصهن وآهاتهن اللاتي يلكنها مع الطعام ويتحدثن عنها بين الفينة والاخرى فمعظمهن لم ينجحن بحياتهن وكانت الاشارة إلى زوجة جامع النفايات (ابا علي/ حين يسألونه عن زوجته ويكنونها بالجديدة فيجيبهم عنها بسخرية أنه طلب منها أن ترقص له في اول ليلة له معها وبعد رفضها فعلت ذلك خائفة مترددة الا انها لاتجيد ذلك وبهدف ارضائه للعاملات وممازحتهن يصور لهن ذلك بتقليد بليد كناية عن عدم اجادتها الرقص والرقص هنا اخذ سمة ايحائية لعدم نجاحهن في الحياة فتقرر احداهن ان لاتكون كتلك العروس وهي المطلقة التي لا تريد بداية لا تعرف الرقص فيها من جديد.
في قصة (شجرة الحب) امرأة رومانسية تحتفل بذكرى تعرفها كلامها على زوجها تحت شجرة اليوكالبتوس في هذا اليوم من كل سنة فتذكره بعذوبة بعد يوم متعب قضياه في زحام الجمعيات من أجل الحصول على كرتون البيض فتقنعه بالذهاب إلى تلك الشجرة على امل اسعاد قلبيهما الا انهما وجدا الحديقة التي حوت الشجرة قد تحولت إلى خراب موحش بفعل الاهمال والحروب لكن ارادة الزوجة دفعت الزوج رغم خوفهما الذهاب إلى الشجرة وايقاد الشموع، سمعا صوت صفارة يعلو وصوتا اجشاً يأمرهما ان يقفا وإذا بالحرس المحلي للمنطقة يظهر لهما ليسألهما عن سر وجودهما هنا واستطاعا أن يقنعاه بقصة مخالفة وبذلك تمكن صانع النص في عرص السياقات للقارئ المتلقي بتشكيل ربما وجود له على ارض الواقع لكنه واقع حقاً يغرينا بتحققه ويغوينا بتمثله لكأن مانقرأه صدقاً وما يترنم في خيالنا وجود له فعله وتأثيره، انفعاله واحاسيسه هدوءه وجنونه .
اما قصة(بستان العاشقين) فهي اخر قصص المجموعة التي تحمل همَّ المرأة وهنا زوجة يخونها زوجها وتراقبه فتذهب إلى احدى المقاهي التي يرتادها كي توقع به إلا انها لم تفلح في ذلك اليوم ويشعر بها النادل الذي هو رجل كبير على علم كبير بنفسية المرأة وما يعتمل في دواخلها حين تجد زوجها بعيداً عنها فيحاول ان ينصحها حين يجدها تحاول الانتحار نصيحة أججت الخوف لديها رغم اختلاقها من قبل النادل الذي افهمها أنه استعمل هذا الدواء الذي تريد أن ترتشفه جعله يعاني طوال حياته من معاناة لاينفك منها حتى انه حرم لذة الطعام بسببه وبذلك ابتدع بحكمته وحنكته مايقنعها بعدم ضرورة للانتحار وهو كان يعلم بخيانة زوجها ورآه يصطحب معه لمدة سنة في كل يوم فتاة يجلس معها ثم ينصرف إلى مكان آخر والقاص هنا أدهشنا وفاجأنا بقدرته على اقناعنا بما يقوله النادل عن الدواء الذي دمر حياته ومن ثم نكتشف في السطور الأخيرة أنه كان فناناً متقناً لتلك الأكذوبة التي أنقذت حياة الزوجة المغلوب على أمرها، وبصدد القاء الضوء على الحالات النفسية التي تحتمل حيوات الكثير من فئات المجتمع تطرق القاص إلى قصتي (خيل الحكومة) و(حكاية عبد القادر ) ففي القصتين معاناة نفسية كبيرة ومفارقات اذ ان البطلة في القصة الاولى يجعلها زوجها الغيور بمعزل عن الحياة حداً يصل بها إلى المرض النفسي ومن ثم المرض العضوي في اصابة خلايا المخ من شدة الاكتئاب الذي ادى بها إلى البكاء من دون سبب والى النسيان المكرر حداً تصل فيه إلى نسيان اسم زوجها الذي تركها في ضياع وطلقها بعدما اوصلها إلى اسوأ حال وكذلك في القصة الثانية فأن عبد القادر لايعرف زوجته وابناءه وهو يجلس قبالتهم في احدى المتنزهات وذلك بفعل الفقر الممض الذي كابده وعدم قدرته على توفير الحياة الكريمة لعائلته وفي القصتين ابدع القاص بوصف اجواء الضيق والاكتئاب والعزلة وماينوء به الفرد عندما يغاير الطبيعة التي اوجده الله بها بفعل ثقل الحياة وضغوطها.
في القصتين السابقتين شكل القاص فواصل للحكي كما لوكانت فسحات لالتقاط الانفس يحتاجها القاص ليواصل قصه الطويل لانه الحكواتي الوحيد طيلة مسار النص فلم يكن هناك سرداً ضم وصفاً يترك لنفسه التواري وليس هناك أي شيء من التداعي الذي قد يغيبه عن المتلقي وذلك نجده ايضاً في قصتي(المخطوفة) و(كان ذلك الرجل أبي) ألا ان الحالة النفسية هنا تكابدها طفلة في الاولى خطفت من قبل مجرمين يريدون ان يبتاعوا جزءاً من اعضاء جسمها وتتمكن من الهرب منهم الا انها لاتعرف كيف تعود إلى عائلتها وتخاف السؤال لأي شخص غريب بفعل مامرت به من رهاب وفي القصة الثانية الطفلة فقدت ابوها البحار الذي غاص في المحيط دون ان يعرفوا بمصيره فيرسم لنا القاص ذكرياتها عنه وقصه لها عن حكايا البحر بعد كل رحلة حتى انها تراه يلوح لها من الباخرة عند تشييعه وكأن ذكرياته اليتيمة كانت تقف عند كل مرفأ لتواسي طفلته حتى اصبحت الطفلة فتاة وكبرت وهي تصور لنا المرارة التي تنتابها حين تسمع صوت الباخرة وهي تذرف الدموع لانها لم تشبع نهمها ونفسها الخاوية من والدها الذي رحل عنها مبكراً بعدما قضى ايامه بعيداً عنها في رحلاته.في قصة (امنيات لم تتحقق) يحسن صانع القص تصوير حالة موت الجد والتقاليد الاجتماعية والاسلامية المتبعة في مراسيم دفنه واقامة مجالس العزاء التي اتت مخالفة بجميع طقوسها عما كان يتمناه الجد حين كان يحكى لحفيده اسراره ومايريد أن يتحقق له بعد وفاته فكان يتمنى ان يقام له عزاءاً كبيراً وتذبح فيه الذبائح السمينة ويوزع اللحم المطبوخ على الناس بما يملأ العين الناظرة وان تمر جنازته عبر السوق الرئيس للمدينة بشكل مهيب وان يكتب على شاهدة قبره انه انى عمره في الدفاع عن البلاد ومات معوزاً مريضاً دون ان تزيدالدولة من راتبه التقاعدي الزهيد وطلب من حفيده أن يكتب ذلك في ورقة كي لاينسى احدى الامنيات وان يقدمها لمن هو اكبر منه حين يموت جده إلا ان الامنيات تبددت بفعل اختلاف وجهات النظر بعد وفاته وكان للجدة الدور الكبير في عدم تحقيقها والقاص هنا واصل جهده القصصي بنفس التأجج واستمر في نشاطه السردي دون استنفاد للطاقة الكتابية بما يثري ذائقة الكتابة ويحيلها للعودة والمتابعة كلما شح فضاء الرغبة في القراءة لدى القارئ.
في قصة (لغة العيون الخائنة ) يصور القاص موضوعة الامانة لدى الانسان البسيط الشريف حين تكون عبئاً عليه ومثار سخرية من قبل الغير فهو كادح فقير يضع ابن عم له مبلغاً ضخماً من المال بأسمه في المصرف ويستعيده منه بعد فترة وفي تلك الفترة يكون المال في تزايد مستمر الامر الذي يثير حفيظة عائلته عليه اذ انه لم يسحب منه رغم عوزه اكراماً لمبادئه التي يحترمها ويدينها الاخرون من ابناء مدينته وافراد اهله الذين لم يصدقوا بوجود انسان يضع هذا المال الضخم بأسم أنسان اخر حتى وأن كان ابن عمه فنعتوه أي الانسان المؤتمن بالبخل واللؤم والخبث حتى شنوا عليه الحرب بجفاء معاملتهم اليه ويكمل القاص تفاصيل ذلك الهم الذي قيد به هذا الرجل الامين والذي لايفرغ منه الا حين يحول المبلغ إلى ابن عمه ويعود حسابه المالي الصغير كما كان قبل تحمله الامانة .
تصوير لاذع
في قصة (زوج الاستاذة) تصوير لاذع لنوع من العوائل التي لها هيمنتها في البلد يقتحم حياتهم رجل فقير من عائلة بسيطة ويتزوج ابنتهم ويبقى الفارق الطبقي ما يئن منه طوال حياته خاصة ان لتلك العائلة سطوة القوي على الضعيف وشعارهم الضعيف دائماً على خطأ اما قوانينهم فهي مكرسة لمصالحهم فلا يهتز لهم طرف أن اساءوا لأحد وأنهوا حياته ودمروا عائلته، المهم لديهم مصالحهم التي حاولوا ادراجه معهم كي يتسلل إلى تلك البذاءة في العيش الا انهم فشلوا وكان هو دائماً محط انظار استغرابهم لعدم استكانته وخضوعه بل وتركه لابنتهم بعدما اتخذ القرار بضرورة ان يحيا حياته كما يريد حتى وان كان محباً لابنتهم وربما ذلك الحب كان ليس في محله وهذا ما ادى به إلى النضوب والانتهاء، والقاص هنا قدم لنا صورة خالية من الرتوش والتزييف ولا تطفو على موجة من الخيال المحلق انما تخطو على اديم واقع حي تتضح امامك صورة الشخوص وتتجلى واضحة بلا تضخيم.في قصة(وحمدت الله لأني فقير) يتميز القاص بتقنية استخدام الرؤيا في تلك الحركة الدائرية التي بدأت باليقظة وانتهت اليها، بعد أن افلح عالم الرؤيا في ان يغشى وعي الشخصية ويطيح به ساحباً بطل القصة ذلك الرجل الذي يغوص في رحلة مليئة بالمال الذي يحصل عليه من نصائح احد المجانين الذين يعرفون السوق التجارية حين كان احد تجارها قبل ان يفقد عقله فيرشد ذلك الرجل إلى ارباح واموال لانضوب لها ويتحسن وضعه المعاشي بل ويملك القصور حتى تأتي المعادلة التي تقوض تلك الحياة الرغيدة حيث يشهر ذلك المجنون سلاحه بوجه الرجل متهماً اياه بسرقة ماله وايصاله إلى الافلاس وبذلك يتمنى الرجل لو يخسر جلَّ ماله مقابل اقناع ذلك المجنون بتنحية السلاح عنه الا انه لم يفلح فاطلق المجنون الرصاص بغزارة جعلت الرجل يستيقظ من اغفاءته على اثر صياح ابن صاحبه الذي تركه نصف ساعة وعاد اليه ليجده نائماً، لقد وظف القاص عالم الحلم بشكل تجلت فيه مظاهر الحياة في تطورها لدى الرجل من خلال رؤية بانورامية أخاذة .
وصلة المقال المنشور :
http://www.azzaman.com/?p=109361

"هيمنة الموت في بستان العاشقين "



كتبت الناقدة إيمان عبد الحسين في جريدة الزمان الغراء عن مجموعة قصص" بستان العاشقين " للكاتب فيصل عبد الحسن يوم 15/4/2015 مقالا بعنوان :
"هيمنة الموت في بستان العاشقين " فشكراً للناقدة إيمان عبد الحسين ولهيئة تحرير الزمان الغراء محبتهم التي غمرتني :
مجموعة فيصل عبد الحسن
هيمنة الموت في بستان العاشقين – نصوص – إيمان عبد الحسين
علينا أن نشير أولاً ونحن نختار هذه القراءة التي نسلط فيها الضوء على ثيمة الموت في مجموعة القاص فيصل عبد الحسن (بستان العاشقين) الصادرة بالقطع المتوسط عن(دار الشؤون الثقافية العامة )، ولكي يكتسب اختيارنا هذه الثيمة مشروعيته، لا بد لنا ان نستحضر اهم الاسباب التي قادتنا الى هذا الاختيار، من غيران نلوي فيه عنق النص ونحمله مالا يحتمل من الدلالات، بمقدار ما هي استجابة لطبيعة المواضيع التي يغطيها الموت على نحو تام، واكتسائه أهمية بالغة في عدة مستويات، فمن خلال رصدنا لخصوصية الموت التي توسم بها كل قصة نلمح حضوره بشكله المباشر والضمني،واتساع أفق دلالاته مجسداً في اغلب القصص، فعلى امتداد المجموعة لم يكن الموت عارضا وثانويا، فهو يمثل جزءً هاما ضمن سياق الفكرة، وضمن أسلوبه اللغوي، وبما يشمله من عناصر ومفردات وبيئات مكانية تُشير بوضوح تام الى احتضانها للموت في سياقات متنوعة، الموت الذي لم يكن عنصر دخيل على افكار القاص ، انما في اعتقادي ان القاص سعى الى جعل الموت عنصرا أساسيا،واداة فاعلة ،و نواة رؤية يمكن من خلالها اكتناه جدلية الحياة والموت معا، محاولا ابرازه واستحضاره في أشكال متعددة، فنرى ان سمات حضوره تتعد مرة بشكله المباشر اي الموت الطبيعي (الجسدي) الفعلي كما يظهر في اغلب القصص، وشكله غير المباشر (الرمزي) في قصص اخرى، اي يتمثل في معناه السلبي كعجز الشخصية وانكسارها واستسلامها للواقع، كما يشير إلى هيمنة الاجواء المغلقة التي تفرض إطاراً معيناً للحياة جاعلة من الشخصيات رهينة الكبت والحرمان، اضافة الى دلالات الحزن والغربة،التي ربما يُضيئها ويكشف عنها سيرة القاص، التي تبدو العلاقة التي تربط القاص وخصوصية الامكنة والازمنة كما ورد في الصفحة الاخيرة من الغلاف من ان القاص كان قد (غادر العراق عام1995 وتنقل في عدة دول عربية من بينها الاردن وليبيا وتونس ومصر واقام في المملكة المغربية منذ 1997)، اضافة الى القتل والارهاب، أو تذكر الموتى من خلال استعادات لترسبات ماضوية، و من خلال طغيان المرض، ومختلف أشكال القهر، ولعلّ السبب يعود ايضا الى هيمنة معجم الموت واتساع فضائه على امتداد القصص، ولسوف أتناول النتائج التي خلصت إليها، التي يبدو فيها اغلب القصص تتصدّى للموت من زوايا مختلفة ولكنها متلاقية فاذا ما تاملنا قصة (بستان الذكريات) نرى هيمنة الموت بمفهومه الدلالي والفعلي على امتداد القصة فالموت يفاجئنا منذ السطر الاول وما يليه من السطرين التاليين ترد مفردة الموت 6 مرات ( في الليلة السابقة تحدث افراد عائلتي كثيرا عن الموت والموتى ولن اني ما قالته اختي الكبيرة عن ميتة رايتها في شبابها وكانت تعرفها قبل ان تموت وبدت وهي ميتة اكثر جمالا واشراقا منها وهي حية فقد ماتت المسكينة بعد ولادة متعسرة) اضافة الى ان مفردة الموت ترد على امتداد الصفحتين حوالي 20 مرة لنرى ما تشكله ثيمة الموت من هيمنة على شخوص القصة كما لايمكن إغفال دوره الفاعل والمؤثر على الامكنة والازمنة فإن من الواضح أن الامكنة في القصة وفي غيرها من القصص لم تكن, عبارة عن خلفية فحسب, انما في كونها عنصر مهم, إلى جانب العناصر الفنية الأخرى المكوّنة للمعنى، ففي قصة (بستان الذكريات ) لم يكن المكان منعزلاً عن باقي العناصر الاخرى, اذ ان هيمنة الموت انعكست على فضاء القصة فبدت الامكنة عبارة عن امكنة للموت (ثمة خفافيش كثيرة تخطف هنا وهناك وتناور فوق رؤوس المارة وبين ايديهم وامامهم وفي احضانهم ايضا وراى اسفل المصطبة كومة اوراق شجر ذابلة وقرب سياج الحديقة سفت اوراق متساقطة اخرى كثيرة)ص24 اضافة ان الازمنة ايضا وكما يبدو من العنوان ان الزمن قد توقف ولم تبقى الا الذكريات (ساعتي متوقفة منذ زمن لكنني لا اكف عن وضعها في معصمي وانظر اليها انها هدية منه كم الساعة عندك من فضلك ؟ نظر الى ساعته انها متوقفة ايضا )ص27.ويستطيع القاريء في قصة “طعام الاسود”، أن يتبين الهدف غير المعلن مباشرة لتوصيل فكرة الموت، التي تبدو صورته المجازية من خلال كسرة النفس، والغدر، والظلم، فهاهو الاسد الحيوان المهيب ذو الزئير المخيف، ينقلب من خلال اكله الاطعمة (التي تم خلطها بحذق كالفول والارز وفتات الخبز المداف ببقايا امعاء مثرومة وشحوم وجلود وقد رش ذلك الخليط العجيب بدم الذبائح) إلى حيوان آخر الى (اسود كسيرة النفس مهيضة العزة ولا تبدو عليها مهابة الاسود ) اسود كسيرة النفوس ولا تطيق ذاتها، مخلوقات مسكينة لا حول لها ولا قوة). ويبدو الموت أكثر الموضوعات التي حفلت بها قصة ( وجه ميت بعينين مبصرتين) وقصة (ما يحدث بعد الموت ) حضورا، بدءاً من العناوين التي تشير إليه مباشرة، ففي القصة الاولى كان الموت هو عمود الفكرة الأساسية، والتي يسرد فيها الراوي الذي كان طبيبا في المستشفى طول القصة عن موت ام صديقه (كان علي ان اصدر شهادات الوفاة التي تحدث ليلا بعد الفحص والتاكيد من اسباب الوفاة ليتم الدفن في الصباح- نظرت الى الجسد الضئيل المسجى في التابوت وفوقه ملاءة حائلة اللون nكنت اسمعها وهي بتابوت موتها تدعو اللة لابنها وهو في منفاه البعيد – كان وجهها لا يختلف عن وجه اي ام اخرى ميتة رايتها من قبل في نبر الاموات) وفي القصة الثانية منذ البدء يضع القاص اللبنة الأولى في بناء دلالة الموت الكلية على جو القصة حين يطالعنا الراوي بالعمل في شركة نقل الموتى بالدار البيضاء (صرت وجها لوجه امام زهور واغصان وموديلات اشجار بيتية واطئة مخصصة لجنازات محتملة اصص متنوعة ازدحمت في الواجهة الزجاجية للمحل ولكنك حالما تدخل المحل لا تشتم رائحة ازهار بل تداهمك رائحة الموت ).و نتعرف على حقيقة دلالات الموت الذي تنوعت وتعددت المؤشرات الدالة على الموت المعنوي وليس الجسدي في قصة (خيل الحكومة) على امتداد القصة ينقل لنا القاص ولادة فكرة الموت من خلال الحب المريض الرجل لزوجته حتى العلاقات بين الناس شبهها القاص بالزرع الذي يبدو عليه امارات الموت والذبول (الحب المريض الذي ربطني بعجيب هذا الرجل العجيب حقا الغيور حد المرض) ( عدم خروجي من البيت وعدم تنفسي هواء نقيا وبقائي لفترة طويلة بين جدران اربعة بدأت تسوء صحتي ويظهر الشيب في راسي )(العلاقات بين الناس مثل الزرع الذي لا يحصل على العناية والسقي المستمرين فانه يصفر شيئا فشيئا ويذبل ثم يموت )ثم الموت من خلال عدم الانجاب (وقد شاء الله ان لا نزرق انا وعجيب باطفال) .، كما تطرح قصة (امنيات لم تتحقق) أنماطها خلال جنوح كل العناصر الصانعة للقصة صوب الموت فلو جمعنا كل المؤشرات والرموز انطلاقا من نقطة البدء التي يضعنا القاص في أول جملة بنائية في أجواء الموت بخبر قرب موت الجد الذي هو الحدث البارز، كبؤرة مركزية نرى ثيمة الموت تتكرر على امتداد القصة (قبل ان يموت جدي بفترة قصيرة كنت الوحيد الذي يلازمه طوال الوقت ) (جدي قد مات اسرعت الى جدتي واعمامي الذي قضوا الليل الى جواره )( تمر جنازته عبر السوق الرئيسي لمدينتنا بشكل مهيب ليعرف المعارف والغرباء ان ذلك المحارب القديم الذي ساهم في معارك الوطن قد مات- في كل لحظة كنت انتظر ان يرفع الجد رأسه من التابوت )، ولبحث القاص عن أشكال تعبيرية عن أنماط مغايرة للموت تكشف عن كذلك في قصة (عروس لا تجيد الرقص) نرى ان الموت ياتي مرة حين ( تتوقف ماكنة الانتاج لفترة طويلة بسبب تكدس الانتاج او لعطل طاريء او لانقطاع التيار الكهربائي )،كما ان المفردة اللغوية للطلاق تنطوي في ذاتُها على بعدٍ الانفصال، فهي تحمل دلالات معاني الترك والإعراض والقطيعة الذي يوحي الى اليباس ، (تنصت لصوت امها الذي يحذرها من الطلاق وينبهها الى انها ستغدو بعد الطلاق شجرة مهملة لا يسقيها احد وستكون جذعا اجرد بعد سنوات قليلة )، كما يستمد الموت حضوره في قصة(زهور لا تبتسم) من خلال الورود التي ينالها الذبول (انها حالما يتم تلقيحها بحبوب الطلع تفقد اوراقها والوانها وعطورها وتتحول الى كائنات صلعاء متضخمة قبيحة )( اشعر بان باقات زهوري تعاني من شيء ما من حزن ما من مرض ما) ، وفي قصة (يوم الكلب) ترد تشكلات مختلفة للموت، ففكرة الموت تاتي مرة من الاشتباه في موت الجدة، ومرة اخرى من خوف الكلب من الموت، (اعتقدنا جميعنا نحن الذين حضرنا تلك الواقعة ان الجدة قد ماتت ولكن في حقيقة الامر انها فقدت وعيها بعد دخول الكلب وخوفها منه )- (انه سيموت دون المكان وذلك ارحم من الموت في الشارع اغتيالا وتمثيلا بجثته بايدي صبية مراهقين نزعت الرحمة من قلوبهم وايديهم طوال الصباح الباكر كانت تلوح له بكل وسائل الموت وادواته ). في قصة (المخطوفة) نتعرف على الموت و نتلمسه بطريقة تختلف عن طريقة عرضه في القصص الاخرى، اذ ان الاحالة على الموت تتم من خلال حركتين، تتجه الحركة الأولى من خلال خطف الفتاة الصغيرة من قبل عصابة،والحركة الثانية تتجه من خلال قتل القط للبلبل، (مر اسبوع على الم الاختبارات وخلاله رات قفص الطيور في باحة الحوش مسكونا ببقايا الريش والدم لقد فتك القط بالبلبل المسكين بكت كثيرا عند القفص دون ان يهتم احد بدموعها وفي نهاية الاسبوع استطاعت ان ترى من خلال النافذة ةقبضات الرمل الناعم والحشرات الميتة )وتتجلّى صورة الموت في قصة (حكاية عبد القادر) اولها في( درجة الحرارة المرتفعة والرطوبة الخانقة في الهواء واحوال الدنيا السيئة )، وثانيها في وصف العشب( يلعبون الكرة على سجادة من العشب الاصفر الذي ذبل بسبب ملوحة الارض واهمال عمال البلدية )،واخرها في صورة البكاء والاختناق الذي تنتهي القصة به( فقد طفق يبكي بمرارة ويتنهد بصوت مسموع ومن يسمعه يظن ان الرجل على وشك الاختناق)، كما تثبت المقاطع التالية من قصة (زوج الاستاذ) استخدامه تقانات مختلفةً للتعبير عن الموت الذي يتسلّل في ثنايا القصة بعدة طرق في البدء بما تختزنه الدواخل المتأزمة الواقفة على شفا الانهيار بعدم الزواج المتكافيء الذي فجّر المكنونات الداخلية، مما دفعتها إلى التفكير في الموت (اكتشفت انها تلك الارض الصخرية التي تحولت فيها طوال السنوات الماضية الى مجرد اشواك- و افكر بالموت كل لحظة بضربة عصا احد الشقاوات-)( انا اعرف انه فصل الموت لا فصل الولادة )، و في وصف الواقع القاسي الذي واجهه السجين ( ترك يقضي بقية حياته في سجون مرعبة يتمنى فيها الموت على الحياة ) ،كما تمثل ثيمة التلف والدلالات المتولدة عنها مدخلاً إلى الموت ( لا يتورعون عن بيع مواد تالفة او في طريقها الى التلف باعلى الاسعار دون وازع اخلاقي اوضمير)، ويستمد (الموت) حضوره في قصة (امراة لم تخلق للحزن) من دلالات متنوعة، ابرز عناصرها الدلالية الاولى التي كان لها إسهام جلي في رسم ملامح حضور الموت هي عدم القدرة على الانجاب، (يلج البعير من سم الابرة بهذه النتائج من ان تحمل زوجته بهذه الحيامن الضعيفة التي يملكها وحالما تخرج للحياة حتى تموت متحللة من عناصرها الاولية )، والدلالة الاخرى في حدود المكان المحطم الذي تعبث به رائحة الموت من وصف غرفة النوم ( غرفة نومهما كانت مخلوعة النوافذ والباب والستائر ممزقة بشعة والاغطية اللامعة مركونة في فوضى تامة والاشياء الصغيرة التي تشترتيها لتزين بها غرفة نومها راتها عديمة المعنى اشياء غبية مرمية في الزوايا بعد ان حطمتها يد قاسية )، كما ان القاص الذي يبحث في الذاكرة عن أداة أو لغة يعبّر من خلالها عن الموت في اغلب القصص يأتي في ً قصة (بتول تحكي قصتها) ليعبّر بالرمز مرة، والمباشرة مرة اخرى، وذلك لكي يمنح ثيمة الموت أبعاداً أوسع، يمنحها والاتساع والتأويل، حاملا التنوع في بنيته السطحية أو في بنيته العميقة فتخرج من الزمان الى المكان، (هل صارت الانسة امراة لا احد يعرف فهي عروس ترملت ليلة عرسها )(رجال يعومون بالدخان عمال السكك يسرعون وبايديهم فوانيس مطفاة )( الفجر القادم فجر هاته المسجونات وحدهن لا يشاركهن فيه احد فجر خاص للمحطات المقفلة اللمملؤة بالغرباء والشحاذين واصحاب العاهات )( تلمح من مكانها دروب وشوارع تلك المدن الغارقة في الصمت والرطوبة والوحشة)، كما ان الحرب كاشتغال تقني تعد من المفردات التي ينزع القاص من خلالها رصد التحولات التي سببتها التي ابرزها الموت في قصة( شجرة الحب) العبارة التالية تخفي تحتها عالماً من الدلالات عن الموت (في الحديقة الصغيرة التي حول الشجرة قد تحولت بفعل القصف المدفعي اثناء الحرب السابقة والزمن وعدم الاهتمام الى خراب موحش وحتى الاشجار الصغيرة التي كانت تعد الزهور والاثمار تيبست لانها لم تسق بانتظام ولم يهتم احد بها منذ فترة طويلة فيبست وماتت وبدت من بعيد في الظلام مثل هياكل عظمية مخيفة)، وفي قصة (كان ذلك الرجل ابي) مفهوم الموت يختلف عند الفتاة الشابة التي تسترجعه من خلال موت والدها (كانت لحظتها تسترجع مراسم التشيع الرمزي الذي اقامته نقابة الصيادين لابيها تتذكر بحسرة ان فرقة شعبية للموسيقى عزفت في ذلك الحفل الذي لم تصمد فيه امها طويلا وفقدت وعيها مرتين)، ولو توقفنا في قصة (قص الشريط)، من خلال السياق الذي جاءت فيه عبارة (تلك الاشد رعبا وفتكا بالناس والخاصة باذابة اجساد المعارضين بالحوامض المركزة) لندرك المرارة التي يحسّها القاص، من حيث الرؤية ودوافع الشخصيات ومصـــــائرهم وهو يستبطن النّص في السجون واماكن القـــــــتل والتـــــعذيب.
واخيرا إن الامثلة والاشتهادات المطولة ما هي الا وسيلة نخدم فيه توجهنا الذي اعتمدنا عليه في قراءة مجموعة (بستان العاشقين) والذي حاولنا فيه رصد تراكم ثيمة الموت الذي سعى القاص الى استثمارها في اشكال متنوعة.
للاطلاع على المقال النقر على الوصلة أدناه :
http://www.azzaman.com/?p=109583

vendredi 22 juin 2012

في ذكرى يوم مولده ! - 

       
      من البشر القلائل الذين تركوا أثرا هائلا على حياة الناس، لألاف السنوات بل وإلى اليوم الذي تقوم فيه الساعة، أنبياء ورسل وشهداء وعلماء وأصحاب رؤى ومخترعات، وأول هؤلاء البشر أبونا آدم عليه السلام، الذي بسبب معصيته لأمر الله تعالى أخرج مع امنا حواء من الجنة عليهما السلام، ليسكنا الأرض ويستعمراها إلى حين، ليخضع فيما بعد أبناؤهما وأحفادهما جيلا بعد جيل لأمتحان العيش على هذه الأرض، والذهاب بعد ذلك إلى رحمة الله فإما إلى جنة أو نار، ومن أكثر البشر تأثيرا على مصير البشرية، وهدايتها نحو الصلاح، وسلوك الطريق الصواب لحياة كريمة ترعاها شريعة إلهيةعادلة وقوانين صالحة مادامت هناك حياة وناس يحيون، وكما اشارت إلى هذا أشهر الدراسات العلمية الأجنبية قبل غيرها، هو نبينا المصطفى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي ولد في 12 ربيع الأول من عام الفيل، المصادف هذا العام يوم الأحد 12 ربيع الأول 1433 هجرية الخامس من شباط .
     وعام الفيل الذي ولد فيه رسولنا الكريم هو عام زحف إبرهة وجيشه وفيله العظيم، لإزالة الكعبة المطهرة، وتوجيه حجيجها وجهة أخرى تقع في الحبشة، والفيل في القصة أطاع الله، وأبى أن يهدم الكعبة، وكان كلما يوجهه أعوان إبرهة إليها أستدار موليا عنها، وفي ذلك العام الخطير، الذي هدد فيه آخر أثر باق لديانة التوحيد على ظهر الأرض، مما إقامه جدنا إبراهيم لعبادة الله تعالى في الجزيرة العربية، والذي ذكرنا بقصة بنائه الله تعالى وهوعز من قائل في محكم كتابه الكريم، فقد قال  تعالى عن الكعبة المشرفة:
" وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم" الآيات 127-129 وأيضا من سورة البقرة، قوله تعالى:   " ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون " الآية 37 من سورة إبراهيم.
فقد حان الوقت الموعود لظهور رسول كريم من نسل إسماعيل يهدي الأمة، ويجعل من أبنائها أمة مؤمنة، قوية تقيم شرع الله في الأرض، وتحمي ديانة التوحيد، وتحيي مناسك وذكر دين إبراهيم وإسماعيل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
    أن ما تركه الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لدى المسلمين امانة كبيرةحفظوها جيلا بعد جيل، وأوصلوها أيضا إلى أمم لم يصلها نور الله وهدايته، فإذا بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي ولد فردا صار أمة تلهج بالتوحيد ومكارم الأخلاق، واليوم تعلو شهادة " لا إله إلا الله ..  وأن محمدا رسول الله " وهي شهادة الموحدين في ديار أكثر من مليار ونصف من المسلمين، في العالم، فالأسلام بفضل من الله تعالى، هو الديانة الثانية في فرنسا وهولندا والثانية في ألمانيا وإسبانيا والثانية في روسيا والأولى في بعض الجمهوريات الإسلامية التي كانت ضمن الأتحاد السوفيتي سابقا، والثانية في الصين،  ففي الصين الشيوعية سابقا أكثر من 60 مليون مسلم حفظوا دينهم وصلوا وصاموا في أوج عنفوان ثورة ماوتسي تونغ الثقافية، التي أستولت على دور العبادة ومنعت الناس من الصلاة والصيام، والقيام بما يفرضه عليها دينها الحنيف، ولكن شاء الله تعالى أن يبقى دينه في تلك الدول، فذهب من ذهب وبقي ما ينفع الناس.
    وفي يوم مولده ليس لنا إلا نتذكر الفضل الإلهي الذي أسبغه الخالق علينا كعرب أن جعل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم منا، وأنزل الرسالة المحمدية بلغتنا، وقد كنا أشتاتا متفرقة متوحشة يقتل قوينا ضعيفنا، ويستولي على ماله ومتاعه وعرضه، ويبيع أولاده وبناته في سوق النخاسين، وكناجماعات متفرقة تضيع في أقيانوس صحراوي لا حد لقسوته، وفقره، فوحدنا بدين الإسلام وملكنا ملك فارس وروما وأقعدنا مقاعد الملوك والأكاسرة وكرمنا بالعلم والمعرفة، والسيادة والثروات الطائلة، فمن لا يعترف بما وصلت إليه أمتنا في عهدها القديم والحديث من أنتصارات ورقي وتحضر وأنتشار بين شعوب الأرض بفضل محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ورسالته السماوية، فهو لم يعلم ولم يطلع، وإلا فلينظر إلى الشعوب الأخرى التي لم تزل في دياجير الشرك والظلام والجاهلية والعبودية التي تعبد غير خالقها، وتفعل كما يفعل الأطفال فمرة يعبدون شجرة أو دمية لونوها وزينوها، أو حجرا نحتوه بايديهم، وطعامهم دودا وحشرات وجيفا مما خلفته الأسود والضواري.
   ومهما نرى هنا وهناك من مظاهر التشرذم أو التخلف في أمتنا الإسلامية، فهو تشرذم مؤقت، وتخلف أني وهو أهون بكثير مما لو بقينا نعبد الأوثان، يغلبنا الأعداء ويجعلوننا متاعا لهذا الغازي او ذاك المحتل، فاليوم بالإسلام حتى البلدان المسلمة المغلوبة على أمرها من محتل او غاصب ستجد فرصتها للنهوض ثانية، والتغلب على محتلها وظالميها، بالإسلام، لا بغيره، فقد خلف الرسول الإكرم محمد صلى الله عليه وسلم رسالة إلهية أبية باقية في صدور المسلمين تؤجج في المسلمين نيران التمرد على أوضاعهم السيئة وترنو دائما إلى ماهو أسمى وأفضل، والصلاة والسلام على رسولنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الأطهارفي ذكرى يوم مولده الكريم.
        *كاتب وصحافي عراقي يقيم في المغرب

 *كاتب وصحافي عراقي يقيم في المغرب

vendredi 22 avril 2011

النخلة التي حملها العراقي على ظهره !!


PDFطباعةإرسال إلى صديق
فيصل عبد الحسن *
الجمعة, 22 أبريل 2011 17:09

dateblame

-من الظواهر الملفتة التي تعيشها العائلات العراقية في المغرب هو حنينها الدائم لمسقط الرأس، فمدن كبغداد والبصرة والموصل والديوانية والنجف وكربلاء،

هي مدن باقية في ضمائر من ولدوا فيها، ويزداد حنينهم كلما لمحوا أسم مدينة مغربية مقاربة في الاسم لأسم مدينتهم أو لها طوبغرافية مشابهة أوطقس مماثل لطقس المدينة التي ولدوا فيها في العراق.

الصويرة واليوسفية

ففي المغرب على سبيل المثال يجد العراقي مدينة تاريخية مغربية تكنى بمدينة البصرة، أو البصرة الكتان، وهي تقع قريبا من مدينة القصر الكبير وعلى بعد 20 كيلومترا منها، وقد كانت عاصمة الدولة الادريسية في المغرب، وقد تم بناؤها بين عامي 796و803 م وهي تقع على طريق سوق الاربعاء باتجاه وزان، وتشتهر بزراعة القطن والصناعات الشعبية وإنتاج الكتان، وهناك مدن تقع في الجنوب من المغرب تتشابه في جوها الصحراوي مع مدينة بغداد، ومنها مدينة مراكش، اليوسفية، ومدينة أخرى تسمى الصويرة، والتسميتان الاخيرتان هما أيضا تسميتان لمدينتين تقعان في جنوبي بغداد، وقد اشتهرت مدينة الصويرة المغربية بكونها مدينة تحمل كل صفات القرية الكبيرة، الهادئة وتبدو كبستان كبير، وناسه من اللطف إلى حد بعيد، فحين تحادثهم لا تسمع أصواتهم إلا بصعوبة لحيائهم وطيبتهم، وكذلك مدينة الصويرة العراقية التي تبدو للمار بها، وكأنها بستان ينعم بالهدوء والسكينة، ولا تلتقط منه العين غير صور داليات العنب وأشجار البرتقال و ورؤوس النخيل المثمرة.

العودة للوطن

النفس البشرية ميالة دائما للرجوع إلى أصلها، إلى جذورها باحثة عما يجعلها في اطمئنان إلى أنها قريبة من هذا الأصل، مهما ابتعدت عنه مكانيا، الكثيرون من العراقيين في مدن مغربية كالدار البيضاء والجديدة ورزازات وزاكورة زرعوا نخيلهم أمام بيوتهم، ولا تدري كيف حصلوا على فسائل تلك النخيل، والمعروف أن النخلة تحتاج إلى سنوات كثيرة حتى تثمر، بينما الغريب الذي يأتي ليستقر في أي بلد غير بلده يفكر كل يوم بالعودة إلى وطنه، فلا أدري أية عاطفة جياشة جعلت العراقيين في المغرب يزرعون نخيلهم في باحات منازلهم المؤقتة في زاكورة ورززات، أو جعلتهم يضعون تسميات لنخيلهم العراقي على اقامتهم وحوانيتهم ومشاغلهم ؟ !! من عادة الغريب عن بلده أنه دائم التفكير بالعودة إلى الوطن، ودائم الانشغال بفكرة المواطنة وضرورة العودة إلى ممارستها، فهو يظن أنه في الشهر القادم أو في السنة القادمة، فإنه سيعود إلى الوطن الذي طال غيابه عنه لا محالة، وحين يمضي الشهر وتمضي السنة، ولا يتحقق ذلك الحلم، فإنه يضطر لترحيل تحقيقه إلى شهر تال وسنة جديدة، يظنهما سيكونان أفضل لعودته المرتقبة، وأن عودته قادمة لا محالة، وان المسألة مسألة وقت فقط.

الأثاث والكرامة

ولذلك فالعراقي المغترب لا يميل إلى شراء الأثاث الوثير، فهو يكتفي بماهو يقضي حاجاته من دون كلفة عالية وحين تسأله عن سبب قدم أثاثه، وهو الذي عرفته في الوطن دائم الأناقة في ملبسه الحريص على توفير كل جديد وبراق في منزله، يجيبك وهو يهز يديه أنه عائد إلى وطنه، فلماذا ينفق مالا على ما سيتركه حتما عن قريب، ويتعلل أيضا بان ما تشتريه هنا بدم قلبك ستضطر للتبرع به لمن يحتاجه، لأن في المغرب لا يشتري أحد شيئا مستعملا، وعادة يفضل الناس شراء الجديد، فإذا أردت أن تبيع شيئا مستعملا، فعليك أن تهبه لمحتاج أو فقير، فهذا أجدى واحفظ للكرامة، لأن ما سيعرض عليك كبدل مالي عن ذلك الشيء القديم هو أقل بمئتي مرة عن ثمنه الأصلي، وطبعا هذا إذا وجد من يشتري، وإلا فستهرق كرامتك وأنت تبحث لحاجتك عن زبون كريم، والبعض الآخر يفضل أن يعيش على الكفاف ليتمكن من جمع المال الذي به سيبدأ حياة جديدة بعد عودته إلى العراق، ولكنه يبقى هكذا يعيش شظف العيش، ويحرم ابناءه الكثير من المتع لكي يوفر المال اللازم ليعود بها إلى وطنه وفي النهاية يموت من دون تحقيق حلمه بالعودة، وأغرب من ألتقيت بهم من العراقيين الحاملين لجنسية كندية ويعيش وحده في مدينة مارتيل المغربية التي تقع في شمال المغرب، والتي تلائم وضعه الصحي فقد وجدت أنه كتب إعلانا كبيرا وضعه في صدر صالة شقته ليلاحظها كل من دخل شقته لأول مرة وقد كتب في ذلك الإعلان نعيا لنفسه مع آية قرآنية كريمة، ورقم هاتف سفارة كندا في المغرب وفي الاعلان كتب عبارات توسل بمن يجده ميتا في الشقة أن يتصل بالرقم المدون في الاعلان ليتموا اجراءات دفنه، وحين سألته لماذا لا يضع رقم هاتف سفارتنا العراقية في المغرب في ذلك الاعلان أجابني سأتفسخ من دون أن يهتم أحد بدفني!!

dateblames

النخلة والعراقي

بعض العراقيين عاشوا لأكثر من أربعين سنة في المغرب، وكل واحد منهم كان يعتقد أنه سيعود في السنة القادمة إلى العراق، وسنة تمضي بعد أخرى والوطن لا تستقيم أموره، فمن انقلاب إلى انقلاب، ومن ثورة إلى أخرى ومن حرب إلى حرب جديدة، ومن حصار إلى قمع منظم للناس، ومضت السنوات، ومات من كان يظن انه سيعود للوطن في السنة التالية، ودفن في مقبرة من مقابر المغرب، وتم ترحيل حلم عودته إلى الأبناء، ويصير كل واحد منهم من الذين ورثوا عن ابائهم النخلة التي حملها العراقي على ظهره إلى بلاد العالم التي يرحل إليها، وعادة ما يدفن العراقيون الغرباء أو الذين ليس لهم أهل من قبل محسنين عراقيين، ويكتب على قبورهم آخر ما كتبوه من عبارات المحبة لوطنهم لتسجل على قبورهم، وتدهش حين تزور مقبرة الغرباء في مدينة الرباط على رخام تلك القبور بيت شعري للمتنبي أو لأبي العلاء المعري يذكر بمدن العراق وكرم أهله، أو يذكر الناس بان صاحب القبر كان تواقا للعودة للاهل، والأصحاب، ولكن المرض لم يمهله لتنفيذ ذلك الحلم، الذي دفن مع صاحبه، وهناك صاحب أحد تلك القبور، الذي لم يتورع عن ذرف الدموع على ما مضى من ذكريات الأهل والأحباب في البصرة وبغداد والموصل والمدن الأخرى، ويسأل العائدين إلى الوطن أن ينقلوا تحياته إلى شط العرب ودجلة والفرات ويرجوهم أن يضعوا وردة جوري مع شمعة وعود بخور، وقبضة حناء في وعاء الأمنيات لتطفو في نهر الغراف، ويقرؤوا على روحه الفاتحة، وأن يرسلوا رحمتهم مع الصلاة إلى روحه اللائبة في الربوع المغربية الباحثة عن سلامها، المنتظرة أن يجتمع شملها بأحبابها في العالم الآخر، وهو يرى انه أكثر رحابة وأكثر فرحا مما عاشه من عمر تلاشت سنواته في الغربة، وانتظار لقاء الأحباب الذي لم تأت به الأيام،

ولم تفرح به القلوب، ولم تلثم فيه مقلة العين تراب الوطن.

الشبكة العربية العالمية

faisal53hasan@yahoo.com

* كاتب وصحفي عراقي يقيم في المغرب

vendredi 15 avril 2011

تطوير أهداف علم جديد أسمه المستقبليات !

تطوير أهداف علم جديد أسمه المستقبليات !PDFطباعةإرسال إلى صديق
* فيصل عبد الحسن اضغط على اسم الكاتب للاطلاع على ارشيفه
الجمعة, 15 أبريل 2011 20:57

magic

كتب فيصل عبد الحسن - الحادثة الشهيرة التي أشرت حيثيات علم جديد أسمه المستقبليات، وأظهرت أبعاده المؤثرة في حياة الأمم والشعوب ومستقبلها، وفجرت في ذهن المواطن العادي الكثير من الدلالات،

والحادثة هي أن جون كيندي الرئيس الأمريكي في أوائل الستينات، وجد تفوقا عند الاتحاد السوفيتي على الولايات المتحدة الأمريكية في ميدان الفضاء، فأخذ قرارا سياسيا لا علاقة له بالواقع الحقيقي، ولا بدراسة علمية، وقال أن أمريكا ستصل إلى القمر بعد عشر سنوات!!
وعندها صار هذا قرارا سياسيا، وبدأ يشكل أولوية لأمريكا، وعندها تحدث الرئيس إلى المختصين والتقنيين وبحثوا كل الإمكانيات المتاحة وقالوا للرئيس، إذا كنت تريد أن تصل إلى القمر بعد عشرين سنة فهذا ممكن بالميزانية الحالية، أما إذا أردت ذلك بعد عشر سنوات، فهذا يتطلب أن نعمل كذا وكذا، وهكذا تحقق مشروع ابولو الشهير في المدة والميزانية، والخطة الجديدة، ويعرض مؤلف كتاب الحرب الحضارية الأولى د.المهدي المنجرة وجهات نظر علمية كثيرة في كتاب له، حول موضوع علم الدراسات المستقبلية، حتى يصل إلى استنتاج علمي مهم يقول: أن إنتاج العشرة ألاف سنة الماضية، يمكن أن ينتج مثله في السنوات السبع القادمة، وما وصلته البشرية في كفاحها من اجل معرفة العلوم والاستفادة من هذه العلوم لتوفير مجتمع الكفاية، والرفاهة الاجتماعي، وستغدو عندها معرفة هذه المجتمعات مرتين، بقدر العشرة ألاف سنة التي مضت، وكأن البشرية قطعت شوطا علميا مقداره عشرين ألف سنة بزمن مقداره عشرة ألاف سنة وسبعة أعوام فقط!!
تناول كاتب عربي لعلم جديد في عالمنا العربي في كتاب، يعتبر سابقة مهمة، والعلم المقصود يسمى بعلم دراسة المستقبليات، الذي بدأت أولى ترصين خطواته في أمريكا في متوسط القرن الماضي، وحددت طرائق البحث فيه، وهدف هذا العلم هو التحقق من الحدس العلمي، في احتمال وقوع حدث ما في المستقبل القريب أو البعيد، إذ يدرس علم المستقبليات كل الفرضيات والاستنتاجات العلمية التي تعطينا خيوط المستقبل لننسج منها ما سيكون عليه وضعنا كأمة أو شعوب.
وهذا سيحيلنا بطبيعة الحال على سبيل المثال لما نحتاجه من تدريس مواد علمية وإنسانية في مدارسنا وجامعاتنا لتحرير الفكر، وإطلاق اليد لبناء المستقبل، وإثارة الخيال حول هذا المستقبل، الخيال الذي يبنى على حسابات على درجة كبيرة من الدقة، وسيثبت الزمن مدى حاجتنا لتدريس هذه المادة العلمية في جامعاتنا العراقية، ومن المفيد أن نعرف أن واضع الكتاب عن هذا العلم الذي بدأنا بالاهتمام فيه في أقطارنا العربية، منذ وقت قريب الكاتب المغربي د.مهدي المنجرة، الذي وضع سلسلة من الكتب في مجال المستقبليات، ويعتبر الرئيس للفيدرالية العالمية للدراسات المستقبلية منذ عام 1976.
أن العلم الذي نحن بصدده، أنطلق في العالم في السنة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية أي في عام 1945-1946 وقام بالدراسة المستقبلية معهد مشهور في كاليفورنيا هو(راند كوربوريشنRand Corporation) والتسمية هنا تعني نوعا من الحسابات الإحصائية العشوائية للاحتمالات، وتم ذلك بطلب من وزارة الدفاع الأمريكية، وكانت هذه الأخيرة تريد أن تعرف ما هي التوقعات المحتملة في تطور العلوم البحتة خلال العشرين سنة المقبلة وماذا سيستحدث في ميدان الفيزياء والكيمياء والرياضيات والبيولوجيا إلى غير ذلك، وأجرت الراندكوربوريشن دراساتها، وبعد عشرين سنة تبين أن أكثر من تسعة وتسعين بالمائة من التوقعات قد تحققت، وبذلك حققت وزارة الدفاع الأمريكية السبق على الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت وأوربا أيضا.
لقد نضجت ماهية هذا العلم في الدوائر العلمية بعد ذلك وأصبحت الدراسة المستقبلية هي قبل كل شيء طريقة تفكير والفرق بينها وبين التفكير اليومي، كما يشير المنجرة أن التفكير اليومي خطي (ويعني هنا بالخطي معادلة المستقيم التي ترسم دالته بالتعويض في معادلة من مجهولين) كأن نقول مثلا في الاقتصاد أن المعدل في السنوات العشر الماضية في الإنتاج الزراعي، كان كذا وكذا، وتوضيح توقعاتنا عما سيحدث في السنوات العشر المقبلة على أساس، ما حدث في العشر سنوات الماضية، وكأن التطور والحياة والمجتمع، والاقتصاد شيء خطي، يسير بطريقة ثابتة، بينما الدراسات المستقبلية بالعكس من ذلك تحاول أن تتوقع ما هي التغيرات الجذرية التي بدأت الآن، والتي يمكن أن تتكون في المستقبل ويتساءل المنجرة وماذا سيكون تأثيرها في هذا التطور؟! ويجيب عن السؤال: ليس هناك حل واحد في هذه الدراسات، أنه من الممكن بعد عشر سنوات أن نصل إلى كذا، لكن هذا يتطلب ابتداء من اليوم أن نعمل كذا وكذا ويمكن أن نصل إلى سيناريو محدد ويمكن أن تساعد هذه الدراسات على اختيارات عديدة على الأمد الطويل، ولكن بعلاقة مباشرة مع الواقع كما هو وحتى مع الماضي ثم يحدد مؤلف كتاب الحرب الحضارية الأولى، النسب المئوية للاهتمامات المستقبلية في أمريكا وأوربا، إذ يحدد نسبة بين 40-45 في المائة في الميدان العسكري في الدول الكبرى و30-40 في المائة في الشركات المتعددة الجنسية، ومن هذه النسب نستطيع استنتاج الأوليات الضخمة، التي اعتمدتها الدول الكبرى لهذا العلم، والأموال الهائلة، التي تصرفها في سبيل تكوين رؤية مستقبلية عن ماذا سيحدث في القطاع العسكري، في العقود المقبلة؟! وكذلك تحديد المؤثرات، التي ستؤثر على أوضاع الاقتصاد العالمي في المستقبل القريب والبعيد.
ويوضح المنجرة فهمه المستقبلي فيما يخص التطور العلمي السريع بقوله: « في كل 90 ثانية هناك مقال علمي ينشر في مكان ما في العالم، وأن هناك 90 ألف كتاب يطبع سنويا، وهذا التراكم للمعرفة أدى إلى دينامكية جديدة تسمى بالتسارع التاريخي، وأنك ملزم بأن تفكر مستقبلا في التغيرات قبل أن تحدث وإذا انتظرتها كي تحدث فأنك ستصبح جزءا من العالم الذي حكم عليه أن يبقى في التبعية أي يظل تابعا لمن فكروا بالتغيرات قبله.
أن هذا الاستنتاج الخطير يقودنا للعبة الكراسي، فإذا لم تفكر بسرعة وتتحرك قبل الآخر لاحتلال الكرسي في اللعبة خسرت، وخرجت تماما من السباق، انه يقودك إلى القول من يسبق الآخر في التفكير فسيصبح الأول سيدا والثاني يغدو عبدا له، ويضعنا المؤلف أمام أوضاعنا كبلدان عربية فيضع سؤالنا الدائم للبنك الدولي والمؤسسات الشبيهة، تعالوا وقولوا لنا كيف ستكون حال بلادنا بعد عشر سنوات؟ وذلك يذكر بسخرية الجبرتي من أهل بلده وحاكميهم في وقت المماليك(مراد بك وإبراهيم بك) عندما أرادا منع الغزاة الفرنسيين من احتلال الإسكندرية، فأتيا بخواجا مصري ليسألاه رأيه، فأشار عليهما بصنع سلسلة ضخمة من الحديد ومدها في البحر قبالة الساحل لتمنع سفن الأسطول الفرنسي من الاقتراب ولكن السلسة لم تنفع شيئا واحتل الفرنسيون مصر!
الشبكة العربية العالمية
كاتب وصحفي عراقي